غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٩٩ - رابعها إباحة المال بإزاء الإباحة
عند صاحبه و لا يدرى كلّ واحد منهما كم له عند صاحبه فقال كلّ واحد منهما لصاحبه لك ما عندك ولى ما عندي فقال لا بأس بذلك إذا تراضيا و طابت أنفسهما فإن قلت لا دلالة فيها على المطلوب لان الكلام فيها مسوق لبيان أمر أخر و هو صحّة المصالحة مع الجهل بالعوضين و ليس مساق الكلام لإفادة انه يكفى في الصّلح اىّ لفظ كان و لعلّهما أوقعا عقد الصّلح بلفظه بعد المقاولة المذكورة في الرّواية و لمّا ذكر قد ذكرها في الوسائل في باب جواز الصّلح مع علمهما بما وقعت المنازعة فيه و مع جهالتهما لا مع علم أحدهما و جهل الأخر و اشتراط التّراضي منهما قلت دلالة الكلام على جواز الصّلح على المجهول لا تنافي دلالته على كفاية أيّ لفظ اتفق لأن السّائل قد سئل بما يتضمن أمرين أحدهما انه لا يدرى كلّ واحد منهما كم له عند صاحبه و الأخر انّه قال كلّ واحد منهما لصاحبه لك ما عندك ولى ما عندي فأجاب (عليه السلام) بنفي البأس فصرف الجواب الى أحد جزئي السؤال دون الأخر ممّا لا وجه له و فهم صاحب الوسائل (رحمه الله) مع انه لا حجّة فيه غير مناف لما ذكرناه لانّه عقد الباب لبيان أحد الجزئين و امّا احتمال أنهما أوقعا عقد الصّلح بلفظه بعد المقاولة فمع ان الأصل عدمه ينفيه ظاهر مساق السّؤال و الجواب في الحديث لانّ الظّاهر ذكر جميع ما وقع و كذا الحال فيما ورد في مصالحة الزّوجين لأنه أشار به الى جملة من الاخبار ذكرها في الوسائل في باب انّ المرأة إذا خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا جاز لها ان تصالحه بترك حقها من قسم و نفقة أو بشيء من مالها و جاز له القبول كرواية الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال سالته عن قول اللّه عزّ و جلّ وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً فقال هي المرأة تكون عند الرّجل فيكرها فيقول لها انى أريد أن أطلقك فتقول لا تفعل انى اكره أن تشمت بي و لكن انظر في ليلتي فاصنع بها ما شئت و ما كان سوى ذلك من شيء فهو لك و دعني على حالتي فهو قوله (تعالى) فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا أَنْ يُصْلِحٰا بَيْنَهُمٰا صُلْحاً و هذا هو الصّلح و رواية أحمد بن محمّد عن ابى الحسن الرّضا (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ وَ إِنِ امْرَأَةٌ خٰافَتْ مِنْ بَعْلِهٰا نُشُوزاً أَوْ إِعْرٰاضاً قال النشوز الرّجل يهمّ بطلاق امرأته فتقول له ادع ما على ظهرك و أعطيك كذا و كذا و أحللك من يومي و ليلتي على ما اصطلحا فهو جائز و غيرهما ممّا ليس في الظهور بمرتبتهما فانّ قوله في الرّواية الاولى و هذا هو الصّلح اشارة و حكم على ما ذكره (عليه السلام) من قول الزّوج و الزّوجة و قس عليه قوله (عليه السلام) على ما اصطلحا فهو جائز في ذيل قوله (عليه السلام) الرّجل يهمّ بطلاق امرأته (انتهى) فتدبّر و لا تصغ الى ما قيل أو (يقال)
قوله و لو كانت معاملة مستقلة كفى فيها عموم النّاس مسلّطون و المؤمنون عند شروطهم
أقول امّا ما ذكره من انّه على تقدير كونها معاملة مستقلة يكفي في إفادة صحّتها عموم قوله (عليه السلام) الناس مسلّطون فيتجه عليه انّ عموم السّلطنة انّما هو ناظر الى ثبوت السّلطنة بالتصرّف في أموالهم على اى نحو شائوا من الأنحاء المقررة في الشرع للتصرّف و ليس في مقام التشريع بمعنى أنّه لهم ان يتصرفوا بما شاءوا و ان كان ممّا لم يرد من (الشارع) اذن في ذلك النّوع من التّصرّف و امّا ما ذكره من التمسّك بقوله (عليه السلام) المؤمنون عند شروطهم فيرد عليه ان المسلم من مورد الشّروط انّما هو ما كان قد اشترط؟؟؟ في ضمن عقد آخر و كون العقد المستقل من موارده ممنوع تنبيه ممّا يتصوّر في هذا المقام عكس الصّورة المذكورة لان من قال أبحت لك بدرهم كان موجبا و مبيحا فيصير عكسه ان يكون الموجب هو المملك المعوّض في مقابل اباحة صاحبه ماله إياه بأن يقول أعطيتك أو ملكتك هذا الدّرهم على ان نبيح لي مالك و هذه الصّورة قد تكون على وجه المقابلة و المعاوضة بين الإباحة و التمليك و قد تكون بعنوان ان يكون إباحة الأخر من قبيل الدّاعي لتمليك الأوّل بل تنقسم الى قسمين اخرين باعتبار أخر و هو ان القبول من الثاني قد يكون بأخذ ما دفعه الأوّل و قد يكون بإعطائه ماله كما انّه به ينشئ الإباحة و لا يبعد في هذه الصّورة بأقسامها الحكم بالصحّة نظرا الى تحقق العقد بمجرّد القصد و الفعل و ان لم يقترنا باللّفظ و ان كان في صدق التّجارة على مثل المفروض تأمّل كما ذكره (المصنف) (قدس سرّه) في عكس هذه الصّورة و جعلها بعض المعاصرين اولى بعدم الصحّة من الأصل الّذي جعل الأقوى فيه عدم الصحّة استنادا الى الأصل ثم ان هيهنا صورة أخرى و هي ان لا يكون مقابل الإباحة هو المال و هي على قسمين أحدهما ان يكون مقابل الإباحة و عوضها هو التمليك من الأخر فيكون من معاوضة الإباحة بالتمليك و ثانيهما ان تكون الإباحة من الأوّل لداعي التمليك و لا ارى منعا من صحّة الأوّل بناء على عموم قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و امّا الثاني فجريان عموم سلطنة النّاس على أموالهم و نحوهم فيه محل تأمّل
قوله و على تقدير الصحّة ففي لزومها (مطلقا) لعموم المؤمنون عند شروطهم أو من طرف المباح له حيث انّه يخرج ماله عن ملكه دون المبيح حيث ان ماله باق على ملكه فهو مسلّط عليه أو جوازها (مطلقا) وجوه أقواها أولها ثم أوسطها
قد عرفت منع سريان عموم المؤمنون عند شروطهم و عدم قضائه باللّزوم في مثل المقام الّذي هو ليس التزاما في ضمن عقد أخر و انّما هو عقد برأسه فالأقوى هو القول الأوسط لأنّه بعد خروج مال المباح له عن ملكه كلما شك في انه يجوز له العود اليه يستصحب ملك المبيح و يحكم بعدم جواز تصرّف المباح له الا بإذنه لأن النّاس مسلّطون على أموالهم فله ان يمنع غيره عن ماله
قوله و امّا حكم الإباحة بالإباحة فالإشكال فيه ايضا يظهر ممّا ذكرنا في سابقه و الأقوى فيها أيضا الصحّة و اللّزوم
هو انّه كما انّ الأقوى في الإباحة بالعوض هو الصحّة و اللزوم على تقدير الصحّة (فكذلك) الحال في الإباحة بالإباحة فيصير هذا الكلام قرينة على ان المعتمد عنده في الإباحة بالعوض هو ما ذكره بقوله الا ان يكون نوعا من الصّلح و رجح بعض من تأخر صحة الإباحة بالإباحة مع منعه من ثبوت شرعية الإباحة بالعوض و استند في ذلك الى انّه لا مانع من كلّ من الاباحتين الصّادر إحديهما من أحدهما و الأخرى من الأخر لعلمنا بأنّ الإباحة مرخّص فيها شرعا و على تقدير مقابلتها بالأخرى لا تخرج عمّا كانت عليه و هو قريب الى الصّواب الا انّ هذا لا يثبت مشروعية نفس العقد بتعويض اباحة بإباحة و يترتب على هذا انه يرتفع احتمال اللّزوم عن مثل العقد المذكور و يمكن دعوى صدق التّجارة