غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - المامقاني، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٧٣ - في تعريف البيع و حقيقته
الأصل الّذي هو توافق المشتق و المشتق منه في أصل المعنى الكلّي السّاري في ضمن المشتقات فيكون ما نحن فيه ممّا لا يصحّ قياسه على ذلك المقام لوقوع الاختلاف هنا في معنى البيع المشتق منه فلا مخرج عن حكم أصالة توافق المشتق و المشتق منه
قوله و حيث ان البيع من مقولة المعنى دون اللّفظ مجرّد أو بشرط قصد المعنى و الا لم يعقل إنشاؤه باللّفظ
و ارادة معنى أخر من الصّيغة المشتقة منه يوجب تغاير المشتق و المشتق منه و قاعدة لزوم توافق المشتق و المشتق منه تنقيه و قال بعض المعاصرين أيّده اللّه (تعالى) في مقام دفع هذا الإيراد على القول بكون البيع عبارة عن الإيجاب و القبول الدالين انه لا بأس بالتزام عدم إنشاء البيع بلفظ البيع بهذا المعنى و انّما المنشأ به غيره ممّا يناسبه على نحو إنشاء النكاح بناء على انه هو العقد كما حكى عليه الاتفاق و اعترف به كثير منهم و فيه ما تقدم من ان عدم صحة الإيجاب بمعنى العقد في النكاح مع الاتفاق على كون النّكاح حقيقة في العقد المخرج عن أصالة توافق المشتق و المشتق منه ممّا يدعو الى الحكم بالمغايرة هناك و المفروض عدم الاتفاق هنا على كون البيع بمعنى العقد الذي هو عبارة من الألفاظ الّتي هي الإيجاب و القبول و العجب منه سلمه اللّه كيف اتى بما ذكره و قد سبقه صاحب (الجواهر) (رحمه الله) بما ذكرناه على ما ستعرف ثمّ ان صاحب (الجواهر) (رحمه الله) أورد على القول المذكور بوجوه أخر أحدها انّ البيع من قبيل الفعل فلا يصحّ تفسيره بالعقد الّذي هو من قبيل اللّفظ الّذي هو من قبيل الكيف لانّ المقولات العشر متباينة و يدفعه انّ ذلك أول النزاع فإنّ القائل بالقول المذكور يلتزم بأنّ البيع من مقولة الكيف ثانيها انّ العقد سبب و البيع مسبب فيمتنع تعريف أحدهما بالاخر و يدفعه ان ذلك (أيضا) أوّل النزاع لأنّ القائل بالقول المذكور يلتزم بأنّ البيع عبارة عما هو السّبب للنقل و هو العقد و ليس عبارة عما تسبّب عنه و ثالثها انّ النقل هو الموافق لتصاريف البيع و ما يشتق منه من الأفعال و الصّفات بخلاف غيره إذ لا يراد ببعث مثلا العقد و الا لكان إيجابا و قبولا و هو معلوم البطلان و كذا البائع فإنه ليس بمعنى الموجب و القابل و المطرد في الجميع هو النّقل فيكون البيع موضوعا له اجراء له على الأصل من لزوم التوافق مع الإمكان فلا يقدح تخلفه في النكاح لثبوت وضعه للعقد و امتناع الموافقة في أنكحت و نحوه فوجب صرفه الى معنى أخر كتمليك الانتفاع و التّسليط على الوطي و غيرهما ممّا يناسب العقد بخلاف المقام الذي لم يثبت وضعه فيه للعقد بل قد عرفت ثبوت الخلاف فيه و انه موضوع للنقل انتهى و هذا الوجه وجيه لكنّه راجع الى ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) ثمّ ان منهم من قال ان أجود التعاريف ما حكى عن الحلبي (رحمه الله) في الكافي من انه عقد يقتضي استحقاق التصرّف في المبيع و الثمن و تسليمهما و فيه أولا انه مبنى على القول بكون البيع عبارة عن الإيجاب و القبول و قد عرفت ما فيه و ثانيا انه مشتمل على الدور لذكر المبيع فيه و ثالثا انه لا مدخل للتّسليم في مفهوم البيع و قد اعتبره فيه و رابعا انّه لا يشمل البيع الفاسد
قوله عدل جامع المقاصد الى تعريفه بنقل العين بالصّيغة المخصوصة
استدل على ما تضمّنه هذا التعريف من كون البيع عبارة عن النّقل بأنّ المتبادر منه عرفا ذلك و بأصالة عدم النقل يثبت شرعا و لغة مع ما في مجمع البحرين من ان المراد به في آية أحلّ اللّه البيع و نحوها إعطاء المثمن و أخذ الثمن و ما في المصباح من أنه مبادلة مال بمال و لهذا صار اليه المحقق الثاني (قدس سرّه) صريحا و تبعه غيره و استظهر من عبارة (الشرائع) و لمعة و نحوهما و ربما استدل عليه ايضا ببطلان القولين الأوّلين بما سبق فيتعين الثالث للاتفاق على انه أحد الثلاثة لكن قال بعض المعاصرين أيده اللّه تعالى انه مع ندور القول المزبور بل في مفتاح الكرامة انا ما وجدنا قائلا به صريحا غير الكركي (رحمه الله) و لا ظاهرا عدا (الشرائع) و اللمعة بل ظاهر (المسالك) من جهة اقتصارها على حكاية القول بأنّه عقد و القول بأنه انتقال انما هو حمل ظاهر المتن يعني (الشرائع) على الثاني أو الأوّل و انه لا ثالث لهما قد يمنع التبادر المزبور و اولى به دعوى الاتفاق على الحصر المزبور ايضا بل قد يدعى ان المتبادر منه هو المعاملة الخاصّة القائمة بين البائع و المشترى معا و هو المعنى الحاصل بالعقد و هو المراد بقولهم كتاب البيع و عقد البيع و أقسام البيع و نحو ذلك و (حينئذ) فتعريفه بالعقد اولى و أسد كما في مفتاح الكرامة و قد تحمل عبارة المصباح و المجمع على ذلك ان لم تكن ظاهرة فيه بل قد تحمل عليه الآيات و نحوها و لا بأس به إذ حملها على فعل البائع خاصّة أو على فعل المشتري خاصة بعيد جدا و ان كانا من معانيه اللغوية إذ هو من الأضداد عندهم كالشراء انتهى و لا يخفى ما في دعوى تبادر المعاملة الخاصّة و حمل عبارتي المصباح و المجمع على ذلك من المنع ثمّ ان ما ذكره من استظهار القول بالنقل من عبارتي (الشرائع) و اللمعة ممّا صرّح به صاحب (الجواهر) أيضا لأنه قال في ذيل قول المحقق (قدس سرّه) في عقد البيع و شروطه و إذا به العقد هو اللّفظ الدّال على نقل المال من مالك إلى أخر بعوض معلوم ما لفظه و ظاهره كاللمعة ان البيع نقل الملك بعوض معلوم انتهى و قد أجاد هو (رحمه الله) و من سبقه في هذا الاستظهار لان عقد البيع إذا كان هو اللّفظ الدّال على النقل فالبيع لا (محالة) يكون عبارة عن النّقل لكن أورد عليه بعض من تأخر بان الاستظهار المذكور مبنى على ان تكون اضافة عقد البيع لاميّة و هو ممنوع لاحتمال ان تكون بيانية فيكون التّعريف لنفس البيع و يصير (حينئذ) عبارة عن اللّفظ الّذي هو العقد مضافا الى انّه على تقدير كون الإضافة لاميّة لا دلالة في عبارة المحقق (رحمه الله) على كون البيع عبارة عن النقل لاحتمال انّه عبارة عن الانتقال و لا يخفى عليك سقوط الجميع ضرورة كون الإضافة البيانية خلاف (الظاهر) فلا يلتزم بها الا عند قيام قرينة و كون البيع عبارة عن الانتقال بعد فرض الإضافة لاميّة مما يأبى عنه مساق الكلام كما لا يخفى نعم هو من الاحتمالات الموهومة الّتي لا تصادم الظّهور أصلا و اعلم ان ما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) من اختلافهم في تعريف البيع بالنقل أو الانتقال أو عقد البيع انّما أراد به بيان أصول ما اختلف فيه و الا فالتعاريف باختلاف القيود كثيرة و ربما (يقال) ان المقصود من التفاسير الثلاثة انما هو افادة مجرّد الكشف في الجملة لا التمييز الحقيقي حتّى يتحقق الخلاف بحسب المعنى و يظهر اثر الفرق بين التمييز الحقيقي و الكشف في الجملة في أحكام الصرف و السّلم اللّذين هما من أقسام البيع فإنّهما على الأوّل لا يتحققان في المعاطاة على القول بكون البيع عبارة عن العقد لعدم كونها بيعا على هذا القول فلا يوجد له في ضمنها ما هو من أقسام البيع
قوله (قدس سرّه) و يرد عليه مع ان النّقل ليس مرادفا للبيع و لذا صرح في (التذكرة) بأن إيجاب البيع لا يقع بلفظ نقلت و جعله من الكنايات
قد يدفع هذا بأنه غير قادح لوروده في كلّ تعريف حتّى تعريف البيع بأنّه إنشاء تمليك عين بمال الّذي قال (المصنف) (قدس سرّه) بأنه أولى من غيره إذ ليس الجنس مرادفا للمحدود و ان توهم مرادفة مجموع الحد له كما هو واضح كوضوح عدم إرادتهم كون البيع مطلق العقد أو مطلق النقل أو الانتقال كما قد