دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٨٧ - امتياز الحرف عن الاسم و الفعل
الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد. و إن كان (١) بالوجود الذهني، فافهم (٢) و تأمل فيما وقع في المقام من الأعلام؛ من الخلط و الاشتباه، و توهم كون الموضوع له أو المستعمل
الثالث: أن الفرق بين الإيجاد و الوجود أمر اعتباري؛ فإن الشيء الواحد بالنسبة إلى الفاعل إيجاد، و بالنسبة إلى القابل وجود، ثم الوجود الذهني هو نفس لحاظ النفس و تصورها، لأنه إيجادها دون شيء آخر.
و لما كان تشخص اللحاظ بتشخص النفس لكونه من عوارضها، و تشخص العارض بتشخص المعروض كان جزئيا ذهنيا.
إذا عرفت هذه الأمور فاعلم: إنه لا منافاة بين المعاني المذكورة، فنفس المعنى في الاسم و الحرف في نفسه. أي: مع قطع النظر عن تقيّده باللحاظ الاستقلالي أو الآلي كلي طبيعي؛ لأنه لا يمنع عن الشركة، و قد عرفت: أن المراد بالكلي الطبيعي ما لا يمنع عن الشركة، و نفس المعنى نظرا إلى تقيّده بلحاظ الآلية أو الاستقلالية كلي عقلي، لما عرفت: من أن المراد بالكلي العقلي هنا هو المعنى المقيد بأمر ذهني، ثم إن التقيد باللحاظ معتبر في كون المعنى كليا عقليا لا في كونه جزئيا ذهنيا، إذ يكفي في كونه جزئيا ذهنيا حصوله في الذهن سواء قيد باللحاظ أم لا.
و من هنا ظهر عدم التنافي بين كون المعنى كليا عقليا و جزئيا ذهنيا، فإنه كلي عقلي نظرا إلى نفس لحاظ النفس و تصورها آلية المعنى أو استقلاليته، فيكون المعنى مقيّدا باعتبار كونه مقيدا بأمر ذهنيّ و هو لحاظ الآلية و الاستقلالية، و جزئي ذهني باعتبار كونه موجودا في الذهن بتصور النفس، و لا منافاة بينهما لأجل تعدد الاعتبار.
فالمتحصل من الجميع: أنه لا منافاة بين كون المعنى كليا طبيعيا، و كليا عقليا، و جزئيا ذهنيا؛ لأجل تعدد الاعتبار.
(١) أي: و إن كان التشخّص بسبب الوجود الذهني.
(٢) أي: فافهم فائدة الإعادة و التكرار، «و تأمل فيما وقع في المقام من الأعلام من الخلط و الاشتباه»؛ بين كون لحاظ الآلية في الحروف قيدا للموضوع له، أو المستعمل فيه؛ حيث أخذوه شطرا للموضوع له فيها، أو قيدا للمستعمل فيه، فتوهموا كون الموضوع له و المستعمل فيه في الحروف خاصا، غافلين عن كون لحاظ الآلية فيها ناشئا من الاستعمال، فيمتنع دخله في نفس المعنى، و قد عرفت: أن الأقوال هنا ثلاثة، فقد توهم جماعة عموم الوضع فقط و قالوا بكون الموضوع له كالمستعمل فيه خاصا، و ذهب جماعة آخرون- منهم التفتازاني- إلى عموم الموضوع له كالوضع، و قالوا: بكون المستعمل فيه خاصا.