دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٨٩ - امتياز الحرف عن الاسم و الفعل
يكون معاني المتعلقات غير منطبقة على الجزئيات الخارجية لكونها على هذا كليات عقلية، و الكلي العقلي لا موطن له إلّا الذهن، فالسير و البصرة و الكوفة في- سرت من البصرة إلى الكوفة- لا يكاد يصدق على السير و البصرة و الكوفة، لتقيّدها (١) بما اعتبر فيه القصد، فتصير (٢) عقلية فيستحيل انطباقها (٣) على الأمور الخارجية.
و بما حققناه (٤) يوفق بين جزئية المعنى الحرفي بل الاسمي، و الصدق على الكثيرين،
يكون قصد الاستقلالية موجبا لجزئية المعنى في الأسماء أيضا، فكما لا يكون قصد الاستقلالية مأخوذا في معاني الأسماء، فكذلك لا يكون قصد الآلية مأخوذا في معاني الحروف. هذا ما أشار إليه لقوله: «فلم لا يكون فيها كذلك».
الثاني: ما أشار إليه بقوله: «كيف؟ و إلّا لزم أن يكون معاني المتعلقات».
توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي: أن اللحاظ إذا كان قيدا لمعنى الحرف لكان قيدا لمعنى الاسم أيضا، لأن معنى الحرف قد يكون قيدا لمعنى الاسم، فاللحاظ الآلي قيد لمعنى الاسم، لأن قيد القيد قيد، فلزم حينئذ أن يكون معاني متعلقات الحروف مثل:
السير و البصرة و الكوفة في قولك: «سرت من البصرة إلى الكوفة» كليات عقلية.
و إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه يلزم من كون اللحاظ الآلي مأخوذا في المعنى الحرفي أمران:
الأول: عدم صدق متعلقات معاني الحروف على الخارجيات، لأنها حسب الفرض مقيدة بقيد عقلي و هو لحاظ الآلية، و من البديهي: أن المقيد بقيد عقليّ عقليّ، و العقلي لا موطن له إلّا العقل.
الثاني: يلزم امتناع امتثال الأمر في قولك: «سر من البصرة إلى الكوفة»، و الحال أنه يصدق على ما في الخارج، و لا يمتنع الامتثال، و ليس هذا إلّا لعدم اعتبار قصد الآلية في الموضوع له في الحروف، كما لا يعتبر قصد الاستقلالية في الموضوع له في الأسماء.
(١) أي: تعليل لعدم صدق ما ذكر على ما في الخارج، لتقيّد السير و الكوفة و البصرة بالمعنى الحرفي المقيد بقيد عقلي و هو لحاظ الآلية.
(٢) أي: تصير الأمور الثلاثة كليات عقلية لما عرفت من أنّ المقيّد بالقيد العقلي يصير عقليا.
(٣) أي: فيستحيل انطباق الأمور الثلاثة على الأمور الخارجية، لأنّ الأمور العقلية لا موطن لها إلّا في العقل.
(٤) أي: من كون المعنى بنفسه في كل من الاسم و الحرف كليا طبيعيا قابلا للصدق على كثيرين، و بلحاظ تقيّده باللحاظ الآلي أو الاستقلالي جزئيا ذهنيا؛ يوفق بين جزئية