دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٦٧ - تبادر المعنى من اللفظ من علامات الحقيقة
كيف (١) يكون علامة؟ مع توقفه على العلم بأنّه موضوع له كما هو واضح، فلو كان العلم به موقوفا عليه لدار.
فإنّه (٢) يقال: الموقوف عليه غير الموقوف عليه، فإنّ العلم التفصيلي- بكونه موضوعا له- موقوف على التبادر، و هو موقوف على العلم الإجمالي الارتكازي به، لا التفصيلي، فلا دور.
هذا (٣) إذا كان المراد به التبادر عند المستعلم، و أمّا إذا كان المراد به التبادر عند
المتبادر، فيخرج بالتبادر المستند إلى حاق اللفظ: التبادر الناشئ عن القرينة الحالية أو المقالية.
(١) أي: كيف يكون التبادر علامة الحقيقة مع توقفه على العلم بالوضع؟ فإذا توقف العلم بالوضع على التبادر لزم الدور، فالاستفهام إنكاري أي: لا يكون التبادر علامة للزوم الدور، لأنّ التبادر لا يحصل بدون العلم بالوضع كما هو ظاهر، فإذا كان العلم بالوضع موقوفا على التبادر- كما هو مقتضى علاميّة التبادر- لزم الدور.
(٢) قوله: «فإنه يقال» دفع لإشكال الدور، و توضيح ذلك يتوقف على مقدمة و هي:
أن الملاك في استحالة الدور و بطلانه هو: لزوم توقف الشيء على نفسه؛ المستلزم لتقدم الشيء على نفسه، و هو باطل و مستحيل، و هذا إنّما يتمّ فيما إذا كان كل من الموقوف و الموقوف عليه أمرا واحدا، و لم يكن بينهما تغاير أصلا.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن كون التبادر علامة للحقيقة و الوضع و إن كان مستلزما للدور إلّا إنّه ليس باطلا و محالا، و ذلك لأنّ «الموقوف عليه غير الموقوف عليه» بمعنى: أن العلم بالوضع الموقوف على التبادر غير العلم بالوضع الموقوف عليه التبادر فإن الأول: هو العلم التفصيلي، و الثاني: هو العلم الإجمالي الارتكازي، مثلا: إذا علمنا إجمالا أن معنى الأمر هو الطلب و لم نعلم أنّه الطلب الإلزامي أو مطلق الطلب، فإذا وجدنا في أنفسنا تبادر الوجوب بسماعه نعلم تفصيلا وضعه له. و هذا المقدار من التغاير بين العلمين يرفع غائلة الدور كما عرفت. ثم المراد بالعلم الإجمالي الارتكازي هو: العلم الذي لا يلتفت إليه الإنسان و قد يسمى بالبسيط كالجهل البسيط، و في المقابل أن المراد بالعلم التفصيلي: ما يكون مورد الالتفات، و قد يسمى بالعلم المركب كالجهل المركب.
(٣) هذا الجواب الذي دفعنا به غائلة الدور عن التبادر إنّما يصح إذا كان المراد بالتبادر هو التبادر عند المستعلم، و هو من يأخذ العلم من غيره، و أما إذا كان المراد بالتبادر هو التبادر عند أهل المحاورة العالمين بالأوضاع، بمعنى: أن التبادر لدى العالم و أهل اللغة يكون