دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٥ - التحقيق في وضع الحروف
و ذلك (١): لأنّ الخصوصية المتوهمة إن كانت هي الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئيا خارجيا، فمن الواضح: أنّ كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه فيها كذلك، بل كليا.
القول الثاني: الذي أشار إليه بقوله: «كما توهّم أيضا» و هو ما عن بعض المتأخرين من: أنّ الاختلاف بين الحروف و الأسماء إنّما هو في جزئية المستعمل فيه و كليّته؛ بعد الالتزام بعمومية الوضع و الموضوع له فيهما. بمعنى: أنّ الوضع و الموضوع له فيهما عام.
و المستعمل فيه في الاسم عام، و في الحرف خاص.
القول الثالث: ما اختاره المصنف «(قدس سره)» من: أنّ الموضوع له و المستعمل فيه كالوضع فيهما عام و الاختلاف بينهما جاء من جهة اشتراط الواضع، بمعنى: أنّ معنى (من و ابتداء) متحد ذاتا و هو مفهوم الابتداء، و مختلف لحاظا، فشرط الواضع أن يستعمل لفظ ابتداء إذا لوحظ المعنى استقلاليا، و يستعمل لفظة من إذا لوحظ آليا و حالة للغير.
(١) ينفي المصنف اشتمال معاني الحروف على خصوصية توجب جزئية الموضوع له، فيكون الموضوع له في الحروف عاما. و قوله: «لأنّ الخصوصية» تعليل لكون الموضوع له في الحروف عاما «إذ ليس هناك ما يوجب جزئية الموضوع له من الخصوصية؛ سواء كانت تلك الخصوصية هي الوجود الخارجي أو الوجود الذهني المعبّر عنه باللحاظ».
أمّا الأول: فلوضوح: أنّه كثيرا ما يستعمل الحرف في معنى كلي؛ كما إذا وقع في حيّز الإنشاء و الحكم نظير «سر من البصرة إلى الكوفة» فإنّه من الواضح تحقق الامتثال في الابتداء بأيّ نقطة من نقاط البصرة، و الانتهاء إلى أيّ نقطة من نقاط الكوفة كوضوح تحققه في السير بأيّ نحو كان مع عدم القرينة على التعيين، و هذا ظاهر في عموم الموضوع له للحرف كالاسم؛ و إلّا لكان تحقق الامتثال متوقفا على ابتداء خاص و هو ما قصده الآمر، و لم يقل به أحد.
و أمّا الثاني- أي: الوجود الذهني المعبر عنه باللحاظ-: فقد نفى المصنف أخذه في الموضوع له بوجوه:
منها: أنّ الاستعمال يستدعي تصور المستعمل فيه، فلو كان اللحاظ الآلي مقوّما للمعنى لزم تعلق اللحاظ بالملحوظ، و هو باطل؛ ضرورة: أنّ الموجود لا يقبل الوجود ثانيا. هذا ما أشار إليه بقوله: «و هو كما ترى».
و منها: أنّ اللحاظ لو كان مقوّما للمعنى لزم عدم صدقه على الخارجيات إلّا بالتجريد؛ لأنّ المقيد بالوجود الذهني لا وجود له إلّا في الذهن و بدون التجريد يمتنع