دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣١٤ - الجواب عن إشكال الجبر
مراده، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
إن قلت: (١) إن الكفر و العصيان من الكافر و العاصي و لو كانا مسبوقين بإرادتهما إلّا إنهما منتهيان إلى ما (٢) لا بالاختيار، كيف (٣)؟ و قد سبقتهما الإرادة الأزلية و المشيئة الإلهية، و معه (٤) كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالأخرة بلا اختيار؟
«عزّ و جل» تعلقت بصدور تلك العناوين باختيار العبد، فلو صدرت بدونه لزم التخلف.
فالمتحصل: أنه لا يلزم من تعلق إرادة الله تعالى تكوينا بالإيمان و الإطاعة و الكفر و العصيان جبر أصلا، لما مر من كون إرادته التكوينية على نحوين، و يلزم الجبر على أحدهما دون الآخر، كما في «منتهى الدراية، ج ١، ص ٤٠٤».
(١) الغرض من هذا السؤال هو: عدم اندفاع إشكال الجبر بما تقدم من الجواب و هو: أن الكفر من الكافر و الإيمان من المؤمن من الأمور الاختيارية؛ و ذلك لكون كل واحد منهما مسبوقا بالإرادة.
أما وجه عدم الاندفاع: أن صدور الأفعال من العباد و إن كان مسبوقا بإرادتهم و اختيارهم، إلّا إن تلك الأفعال بالأخرة منتهية إلى إرادته تعالى، و إلّا لزم التسلسل، لأن إرادة العبد من الممكنات، و كل ممكن محتاج إلى المؤثر، فإرادة العبد غير اختيارية؛ لأنها مستندة إلى إرادة الواجب تعالى التي هي واجبة لكونها عين ذاته «عزّ و جل»، فيقبح حينئذ التكليف بالإيمان و غيره لكونه تكليفا بما هو خارج عن الاختيار، كما يقبح العقاب على الكفر و العصيان؛ لكونه بما لا يكون بالاختيار، فحينئذ لم يندفع إشكال الجبر بمجرد تأثير إرادة العبد في اختيارية الكفر و الإيمان؛ لأن الله قد خلق الكافر و المؤمن، و أوجد فيهما إرادة الكفر و الإيمان؛ فلا بد من صدورهما عنهما.
(٢) المراد بالموصول هو: الإرادة الإلهية التي تنتهي إليها الممكنات؛ التي من جملتها:
إرادة المكلف و مقدماتها.
(٣) أي: كيف لا تنتهي إرادة الكفر و العصيان من الكافر و العاصي إلى ما لا بالاختيار، و الحال: أنه قد سبقت هذه الإرادة الأزلية الإلهية الرافعة للاختيار.
(٤) أي: مع السبق المزبور أي: مع سبق الإرادة الأزلية بإرادة الكافر الكفر، و العاصي العصيان، كيف تصح المؤاخذة على الكفر و العصيان اللذين هما مما يكون بالأخرة بلا اختيار؟
لأن سلب الاختيار يستلزم سلب التكليف، فلا تصح المؤاخذة من دون تكليف أصلا.
فالمتحصل مما ذكرناه: أن الكفر و العصيان تابعان لإرادة العبد، و إرادة العبد لكونها ممكنا، و كل ممكن يجب أن ينتهي إلى الواجب تابعة للإرادة التكوينية الإلهية، و هذا مستلزم للجبر.