دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٩ - التحقيق في وضع الحروف
عليها (١)، حيث لا موطن له إلّا الذهن، فامتنع امتثال مثل «سر من البصرة»، إلّا بالتجريد و إلغاء الخصوصية، هذا مع إنّه (٢) ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف إلّا كلحاظه في نفسه في الأسماء، و كما لا يكون هذا اللحاظ معتبرا في المستعمل فيه فيها؛ كذلك ذاك اللحاظ في الحروف، كما لا يخفى. و بالجملة: (٣) ليس المعنى في كلمة «من» و لفظ الابتداء- مثلا- إلّا الابتداء؛ فكما لا يعتبر في معناه (٤) لحاظه
الذهن، و لازم ذلك: امتناع امتثال الأمر في مثل: «سر من البصرة»؛ لأن المأمور به عندئذ مقيد بالقيد الذهني المستحيل إيجاده في الخارج.
(١) أي: على الخارجيات «حيث لا موطن له إلّا الذهن». نعم؛ يمكن الإيجاد الخارجي بطريقة التجريد، و إلغاء الخصوصية الذهنية التي أخذت في المعنى؛ إلّا إن الاستعمال حينئذ يكون استعمالا مجازيا من باب استعمال الكل في الجزء و هو خلاف الضرورة.
(٢) هذا هو المحذور الثالث اللازم على القول بأنّ معنى الحرف مقيد بلحاظ الآلية.
توضيح ذلك يتوقف على مقدمة: و هي: أنّ لحاظ الآلية في معنى الحرف ليس إلّا كلحاظ الاستقلالية في معنى الاسم، فكما يجب على المستعمل أن يلاحظ الآلية في الحروف عند الاستعمال، فكذلك يجب أن يلاحظ الاستقلالية في الأسماء؛ إذ حكم الأمثال فيما يجوز و لا يجوز واحد.
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إنّه كما لا يكون لحاظ الاستقلالية معتبرا في الأسماء عند القوم، فكذلك لا يعتبر في الحروف فكلاهما عام و هو المطلوب. و أمّا لو كان لحاظ الآلية معتبرا في الحروف و سببا لجزئيّة معانيها فليكن لحاظ الاستقلالية في الأسماء كذلك، فالتفكيك بينهما تحكم و هو غير مقبول.
(٣) أي: خلاصة البحث في الحروف بعد مرور جميع ما تقدم: إنّه ليس المعنى في كلمة «من» الابتدائية، و في لفظ الابتداء- مثلا- إلّا مفهوما واحدا و هو مفهوم الابتداء، فكما لا يعتبر في لفظ الابتداء، لحاظ الابتداء في نفسه و مستقلا، كذلك لا يعتبر في معنى كلمة «من» لحاظ المعنى في غيره و آليا.
و الحاصل: أنّه كما لا تعتبر الاستقلالية جزءا من معنى الاسم، كذلك لا تعتبر الآلية جزءا من معنى الحرف، و كما لا يكون لحاظ الاستقلال في الاسم موجبا لجزئية المعنى فليكن لحاظ الآلية في الحرف كذلك أي: غير موجب لجزئية المعنى. فالوضع و الموضوع له في كليهما عام.
(٤) الضمير يرجع إلى لفظ الابتداء، كما أنّ الضمير في «لحاظه و نفسه» عائد إلى معنى لفظ الابتداء.