دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٨١ - امتياز الماضي عن المضارع
المضارع، لا يكون ماضيا أو مستقبلا حقيقة لا محالة، بل ربما يكون في الماضي مستقبلا حقيقة و في المضارع ماضيا كذلك، و إنما يكون ماضيا أو مستقبلا في فعلهما بالإضافة، كما يظهر من مثل قوله: يجئني زيد بعد عام، و قد ضرب قبله بأيّام، و قوله:
جاء زيد في شهر كذا، و هو يضرب في ذلك الوقت أو فيما بعده مما مضى، فتأمل جيدا.
و أما وجه التأييد: فيوضح بعد ذكره مقدمة و هي: أن كلا من الماضي و المستقبل و الحال على قسمين: الحقيقية و الإضافية، و المراد من الأولى: هو الماضي و الحال و المستقبل بالنسبة إلى زمان النطق، و الإضافية هي الماضي و المستقبل و الحال بالنسبة إلى أمر آخر، مثلا: يجيئني زيد بعد عام و قد ضرب قبله بأيام، و مثل: جاء زيد في شهر كذا و هو يضرب في ذلك الوقت أو فيما بعده مما مضى؛ حيث إن المثال الأول مثال لاستعمال الماضي- و هو «ضرب»- في الزمان المستقبل حقيقة، و المثال الثاني: مثال لاستعمال المضارع و هو- يضرب- في الزمان الماضي حقيقة، لأن المفروض: مضي الشهر الذي هو أو ما بعده ظرف الضرب المستفاد من «يضرب»، فإن «يضرب» في الجملتين في المثال الثاني ليس زمانه مستقبلا أو حالا بالنسبة إلى زمان النطق، بل مستقبل بالنسبة إلى الشهر، و استعمل في زمان الماضي حقيقة؛ لأن جملة هو يضرب جملة حالية لاقترانها بالواو الحالية تكون حالا عن فاعل جاء، فتكون قيدا للعامل و هو الفعل الماضي.
و كذلك «و قد ضرب» في المثال الأول جملة حالية لاقترانها بالواو الحالية تكون حالا عن فاعل يجئني و هو «زيد»، و الحال يكون قيدا للعامل و هو الفعل المضارع؛ فيكون الضرب كالمجيء في المستقبل حقيقة، فقد استعمل الماضي في المستقبل حقيقة.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أن مرادهم من الماضي و الحال و المستقبل المأخوذ في معنى الفعل هي الحقيقية منها لا الإضافية، فحينئذ يلزم التجوّز في المثالين لعدم استعمال الماضي في الماضي الحقيقي، و لا المضارع في المستقبل؛ فلا بد من لحاظ العلاقة المصححة للمجازية مع إن أهل المحاورة لا يلاحظون في مثلهما علاقة المجاز؛ هذا بخلاف ما ذكرنا من عدم دلالة الفعل على الزمان، و لا يكون الزمان مأخوذا في مدلوله، فلا يلزم المجاز حتى تلاحظ علاقة المجاز، فلذا لا يلاحظون علاقة المجاز.
ثم إن ذكره تأييدا لا دليلا؛ لاحتمال كون مرادهم من الماضي و الحال و المستقبل:
مطلقها لا الحقيقية منها، و لكنه خلاف الظاهر، فمجرد الاحتمال- مع كونه على خلاف الظاهر- لا يخرجه عن الدليلية، و لعله لهذا أمر بالتأمل بقوله: «فتأمل جيدا».