دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٩٥ - اتحاد الطلب و الإرادة
في خصوص الأوامر، و زجرا حقيقيا في خصوص النواهي، و يكون هذا الزجر الحقيقي منشأ للزجر الإنشائي، و ذاك الطلب الحقيقي منشأ للطلب الإنشائي، و ذلك الكلام النفسي منشأ للكلام اللفظي، و قد قيل:
«إن الكلام لفي الفؤاد و إنما* * * جعل اللسان على الفؤاد دليلا»
و ما هو محط نظر المعتزلة نفي تلك الصفة النفسانية المغايرة للعلم و الإرادة و الكراهة؛ بدعوى: أن الموجود في أذهاننا عند الإخبار هو صفة العلم فقط، و عند الأمر أو النهي هو الإرادة أو الكراهة فقط، و ليس في أذهاننا في قبال العلم و الإرادة و الكراهة شيء يسمى بالكلام النفسي، أو الطلب الحقيقي أو الزجر الحقيقي.
فنزاع الفريقين إنما هو في ثبوت صفة نفسانية في قبال العلم و الإرادة و الكراهة، فالمعتزلة تنفيها و تقول: إن المنشأ للكلام اللفظي ليس سوى العلم أو الإرادة أو الكراهة، و الأشاعرة تثبتها و تقول: إنها المنشأ للكلام اللفظي و الأمر و النهي.
فاتضح بذلك: أن النزاع بينهما لا يكون لفظيا كما يظهر من المصنف «(قدس سره)»، و لا يكون لغويا بمعنى: أن لفظي الطلب و الإرادة هل هما مترادفان، أو لكل منهما معنى مغاير لمعنى الآخر، بل النزاع بينهما في ثبوت صفة نفسانية.
فالأشاعرة: يثبتون صفة نفسانية في قبال العلم و الإرادة و الكراهة؛ تسمى هذه الصفة في باب الأوامر طلبا، فتكون حقيقة الطلب- الذي هو صفة نفسانية- عندهم مغايرة لحقيقة الإرادة التي هي أيضا صفة نفسانية.
و أما العدلية: فينكرون ثبوت تلك الصفة النفسانية، فيكون الطلب عندهم متحدا مع الإرادة، لا بمعنى: أن لنا طلبا و إرادة يكونان من صفات النفس و قد اتحدا، بل بمعنى: أنه لا طلب لنا يكون من صفات النفس في قبال الإرادة، فيكون الطلب في كل مرتبة هو عين الإرادة في تلك المرتبة.
نعم؛ إن العالم المحقق الشيخ محمد تقي الاصفهاني صاحب الحاشية لما صادف عنوان اتحاد الطلب و الإرادة، و كان المتبادر إلى ذهنه من لفظ الطلب: الطلب الإنشائي، و من لفظ الإرادة: الصفة النفسانية الخاصة؛ حكم بتغاير الطلب و الإرادة، و تخيل: أنه وافق في هذه المسألة الأشاعرة، و خالف المعتزلة و الإمامية مع وضوح أنهم لم ينازعوا في أن الطلب الإنشائي هل هو مغاير للإرادة النفسانية أو متحد معها؟ لأن التغاير بينهما أظهر من الشمس؛ بل نازعوا- كما عرفت- في ثبوت صفة نفسانية في قبال العلم