دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣١٥ - الجواب عن إشكال الجبر
قلت: (١) العقاب إنما يتبع الكفر و العصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما، فإن «السعيد سعيد في بطن أمه، و الشقي شقي في بطن أمه» (*) و «الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة» (**) كما
(١) توضيح ما أفاده المصنف في الجواب عن إشكال الجبر يتوقف على مقدمة و هي:
أن الممكن مركب من الماهية و الوجود، فقد اتفق الفلاسفة على عدم كليهما من فعل اللّه؛ بمعنى: أنه لا يكون كلاهما مجعولين بل المجعول هو أحدهما فقط إما الماهية و إما الوجود، ثم الأثر يترتب على ما هو المجعول، و ينسب أثر ما هو المجعول منهما إلى اللّه تعالى. و لا يصح أن ينسب أثر ما هو غير المجعول إلى الله «عزّ و جل»، ثم الأرجح هو قول من يقول إن المجعول هو الوجود دون الماهية، بل لا يعقل أن تكون الماهية مجعولة، لأن ثبوت شيء لنفسه ضروري و لذا قيل: «ما جعل الله المشمشة مشمشة، بل أوجدها» فحينئذ إذا لم تكن الماهية مجعولة لم تكن آثارها مجعولة و منسوبة إلى اللّه تعالى.
إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إن إرادة الكفر من الكافر و العصيان من العاصي ناشئة من سوء سريرتهما و هو ناشئ من شقاوتهما، و الشقاوة إما ذاتي لهما أو من لوازم ذاتهما و ماهيتهما و الذاتي لا يعلل، فينقطع السؤال بأنه لم جعل السعيد سعيدا و الشقي شقيا؟ إذ قد عرفت: أنه لا يصح أن تنسب الشقاوة و السعادة و لا آثارهما من الكفر و العصيان، و الإطاعة و الإيمان إلى الله تعالى، لأن السعيد سعيد بنفسه، و الشقي شقي كذلك، و إنما أوجدهما الله تعالى لأن الوجود خير محض و فيض من الله «عزّ و جل»، لأن الله فياض على الإطلاق.
و من هنا يعلم: أن المؤاخذة في اختيار الكفر و العصيان ليست لأجل الاستحقاق حتى يرد عليه الإشكال بأن يقال: إنه لا استحقاق مع عدم الاختيار، بل المؤاخذة هي من اللوازم الذاتية المترتبة على الكفر و العصيان الناشئين من الخبث الذاتي ترتب المعلول على العلة كما أشار إليه بقوله: «العقاب إنما يتبع الكفر و العصيان»، فإذا انتهى الأمر إلى الذاتي
(*) في التوحيد، ص ٣٥٦، ح ٣/ تفسير القمي، ج ١، ص ٢٢٧/ غوالي اللآلي، ج ١، ص ٣٥، ح ١٩: «الشقي من شقي في بطن أمه، و السعيد من سعد في بطن أمه ...».
و في مصباح الزجاجة، ج ١، ص ٩، سنن ابن ماجة، ج ١، ص ١٨، ح ٤٦/ الجامع لمعمر بن راشد، ج ١١، ص ١١٦، ح ٢٠٠٧٦/ المعجم الأوسط للطبراني، ج ١٨، ص ٣١، ح ٧٨٧١ إلخ: «.. الشقي من شقي في بطن أمه، و السعيد من وعظ بغيره ...».
(**) مشكاة الأنوار، ص ٢٦٠/ مسند الشهاب، ج ١، ص ١٤٥، ح ١٩٥/ صحيح مسلم، ج ٤، ص ٢٠٣٠، ح ٢٦٣٨.