حاشية الإرشاد - الشهيد الثاني - الصفحة ٢٤٧ - ب- ما قاله علماء العامّة
و قال ابن قاضي شهبة (م ٨٥١) في حوادث شهر جمادى الأولى من سنة ٧٨٦:
و في عاشره عقد مجلس للشمس محمد بن مكّي العراقي الأصل [كذا] المقيم بقرية جزّين، و كان له في السجن مدّة، و أثبت في حقّه محضر عند قاضي بيروت يتضمّن رفضه و إطلاقه في عائشة و أبيها و عمر رضي الله عنهم عبارات منكرة، بل مكفّرة على ما أفتى به جماعة من الشافعية و الحنفية و غيرهم، فاجتمع القضاة و العلماء بدار السعادة و ادّعي عليه عند القاضي المالكي.
فأنكر أن يكون قال شيئا من ذلك، فتوقّف المالكي توقّفا زائدا فقدّر أنّهم استدرجوا ابن مكّي حتّى اعترف و أقرّ ظنّا منه أنّ ذلك ينفعه، ثمَّ أتى بكلمتي الشهادتين، فسئل المالكي حينئذ الحكم بكفره و إراقة دمه، فقال: حتّى تفتوا بزندقته بما وقع منه، فأفتى بذلك المالكية و بعض الشافعية، فلمّا رأى ابن مكّي الجدّ رجع و قال كلاما لم يسمع منه و لم يلتفت إليه. ثمَّ حكم القاضي المالكي بكفره و إراقة دمه و إن تاب، بعد أن استخار الله تعالى، و جعل حكمه مقيّدا بشرطين: أحدهما أن لا يكون سبقه حكم بإسلامه، الثاني: أن ينفّذ القضاة حكمه و يوافقه الحنبلي أيضا، فحكم الحنبلي أيضا بزندقته و إراقة دمه، و نفّذه القاضيان، فأخرج إلى تحت القلعة فضربت عنقه، بعد أن صلّى ركعتين و أتى بكلمتي الشهادة و أظهر الترضّي عن الشيخين و الصحابة. قال ابن حجّي: «و لم يظهر منه جزع و لا خوف، نسأل الله العافية» قال: «و هو مشهور بالرفض لكنّه عالم في الأصول و القراءات و غير ذلك» [١].
و قال ابن حجر العسقلاني (م ٨٥٢) في حوادث سنة ٧٨١:
و فيها قتل محمّد بن مكّي الرافضي بدمشق بسبب ما شهد به عليه من الانحلال و اعتقاد مذهب النصيرية و استحلال الخمر الصرف و غير ذلك من القبائح، و ذلك في جمادى الأولى. و أرّخه بعض أصحابنا في سنة ستّ و ثمانين. فالله
[١] «تاريخ ابن قاضي شهبة» ج ١، ص ١٣٤- ١٣٥، و انظر ص ١٥١ منه، حيث نقل كلام شمس الدين الجزري الذي نقلناه آنفا.