جواهر الأصول - تقريرات - المرتضوي اللنگرودي، محمد حسن - الصفحة ٢٩ - الجهة الاولى في وحدة موضوع العلم
شخص واحد، و كان يداوي الرجل الواحد المرضى مع ما هم عليه من أنواع الأمراض و العلل، و قد كان بينهم طبيب دوّار بطبّه، و هو الطبيب الذي يدور في البلدان و القرى لمعالجة المرضى على اختلاف أمراضهم و عللهم، ثمّ كثرت مسائله؛ بحيث صارت نسبة المسائل المدوّنة و المنتشرة في بدء تأسيسه، بالنسبة إلى ما دُوِّن في الأعصار المتأخّرة، نسبة الواحد إلى الألف بل أكثر، بل قد تشعّبت و تكثّرت مسائل علم الطبّ و مباحثه؛ بحيث لا يتمكّن الرجل الواحد الإحاطة بجلّ مسائله؛ فضلًا عن الإحاطة بها جميعاً، بل لا بدّ من التخصّص في بعض نواحيه، فترى المسائل المرتبطة بمعالجة العين- مثلًا- كانت قليلة جدّاً، فصارت كثيرة بحيث لا يتمكّن معرفتها إلّا بعد الدراسة و التعلّم لها في مدّة لا يستهان بها.
بل قد يقال: إنّ لمعرفة الامور و الأمراض المتعلّقة بالعين نواحي متعدّدة، قد الّف في كلّ ناحية منها كتاب أو كتب تدرّس إلى الطلّاب المتخصصين في هذه الناحية.
و لكن مع ذلك كلّه تشترك جميع تلك المسائل، و تكون بينها نحو سنخيّة و ارتباط بلحاظ أنّها راجعة إلى صحّة البدن و فساده، و على هذا فلا حاجة إلى تجشّم إدخالها في موضوع واحد.
و إن كان مع ذلك في خاطرك شيء فيما ذكرنا، فلاحظ علم الجغرافيا فإنّه أصدق شاهد على ما ذكرنا، فإنّه في بدء تأسيسه لم تكن أوضاع تمام الأرض معنونة فيه، بل المعنون فيه أوضاع بلدة أو ناحية منها، بل لم يمكن أن يطّلع و يقف رجل واحد على أوضاع أحوال جميع الأرض؛ سهلها و جبلها، برّها و بحرها، مدنها و قراها ... إلى غير ذلك في الأعصار السابقة الفاقدة للوسائل الحديثة المتداولة في أعصارنا، بل لا بدّ و أن يجاهد في ذلك رجال أذكياء.
فيكون مقصود قدمائهم بعلم الجغرافيا هو البحث عن أوضاع نواحيهم و بقاعهم- لا البحث عن أوضاع جميع الأرض- إلى أن كَمُلَ علم الجغرافيا تدريجاً؛ و ذلك حين