الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ٢٨٢ - الفصل الرابع في إسلامه
و أنا معه أتبع أثره أعقل ما أرى و أسمع، فأتاه فقال: يا جميل إني قد أسلمت، قال فو اللّه ما رد علي كلمة حتى قام عامدا إلى المسجد فنادى أندية قريش فقال يا معشر قريش إن ابن الخطاب قد صبا، فقال عمر كذبت و لكني أسلمت و آمنت باللّه و صدقت برسوله، فثاوروه فقاتلهم حتى ركدت الشمس على رءوسهم حتى فتر عمر، و جلس عمر فقاموا على رأسه فقال عمر: افعلوا ما بدا لكم فو اللّه لو كنا ثلاثمائة رجل لتركتموها لنا أو تركناها لكم ... فبينما هم كذلك قيام إذ جاء رجل عليه حلة حرير و قميص قومسي فقال: ما بالكم إن ابن الخطاب قد صبا، قال فمه امرؤ اختار دينا لنفسه، أ تظنون أن بني عدي يسلمون إليكم صاحبهم؟ قال فكأنما كانوا ثوبا انكشف عنه، فقلت له بعد بالمدينة يا أبت من الرجل الذي رد عنك القوم يومئذ؟ قال: يا بني ذاك العاص بن وائل- خرجه أبو حاتم و ابن إسحاق.
و خرج القلعي طرفا من هذه القصة و قال قال عمر: لا نعبد سرا بعد اليوم، فأنزل اللّه تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [١] و كان ذلك أول ما نزل من القرآن من تسمية الصحابة مؤمنين، و كان عمر عند ذلك ينصب رايته للحرب بمكة و يحاربهم على الحق، و يقول لأهل مكة و اللّه لو بلغت عدتنا ثلاثمائة رجل لتركتموها لنا أو لتركناها لكم.
(شرح)- أندية- جمع ناد و ندى و هو مجلس القوم و متحدثهم، فإن تفرقوا منه فليس بندي- و ثاوروه- أي واثبوه، و أثار به الناس أي وثبوا عليه، قاله الجوهري- ركدت الشمس على رءوسهم- أي قام قائم الظهيرة و كأنه سكن، و منه ركدت السفينة سكنت، و كذا الريح و الماء- و الحلة- إزار و رداء، لا تسمى حلة حتى تكون ثوبين.
[١] سورة الأنفال آية ٦٤.