حقيقة التشيّع ونشأته - البيّاتي، صباح - الصفحة ٧٦
وهم يتهيأون لمغادرة المدينة المنورة إلى أرض بعيدة ضمن حملة عسكرية لا يعرفون نتائجها بالنسبة إلى مصائرهم، وبما أنّ علياً ومؤيديه لم يكونوا من ضمن هذه الحملة، فالأمر الطبيعي أن يكتشف هؤلاء أنّ هذا التدبير من النبيّ(صلى الله عليه وآله)كان مقصوداً لذاته، فإبعاد المعارضة عن مركز الحكم سوف يهيء الجوّ الملائم لتولي علي (عليه السلام)مهام الخلافة بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله) بسهولة ويسر، حتى إذا عادت البعثة العسكرية من مهمّتها بعد أيّام متطاولة، يكون الأمر قد تمّ على أحسن وجه، وتمّت البيعة لعلي (عليه السلام)واستقرت الاُمور، فلا يبقى للمعارضة حينئذ إلاّ الإذعان للأمر الواقع، والدخول فيما دخل فيه الناس.
لقد أدرك أصحاب الخط المعارض هذه الحقيقة، فراحوا يتثاقلون في إرسال بعث اُسامة. ورغم إلحاح النبيّ(صلى الله عليه وآله) على الإسراع في إرسال هذا الجيش، وقوله المستمر: "انفذوا بعث اُسامة"، ممّا كان يعبّر عن قلق النبيّ(صلى الله عليه وآله) من فشل تدبيره إذا عاجلته المنيّة قبل خروج البعث وابتعاد المعارضة عن مركز الحكم وانقطاع الأخبار عنها، ممّا دفع النبيّ(صلى الله عليه وآله) في نهاية الأمر إلى محاولة اتخاذ إجراء آخر يحسم به الموقف بشكل نهائي، ويعهد إلى عليّ(عليه السلام) بالأمر من بعده في صورة كتاب خطّي لا يمكن تأويله أو دفعه، فبادر إلى الطلب من أصحابه بأن يأتوه بالقرطاس والدواة ليكتب لهم كتاباً لا