إرشاد القلوب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ٦٦
والخير كلّه في صبر ساعة، تورث راحة طويلة وسعادة كبيرة[١]، والناس طالبان: طالب يطلب الدنيا حتّى إذا أدركها فهو هالك، وطالب يطلب الآخرة حتّى إذا أدركها فهو ناج فائز، واعلم أيّها الرجل انّه لا يضرّك ما فاتك من الدنيا وأصابك من شدائدها إذا ظفرت بالآخرة، وما ينفعك ما أصبت من الدنيا إذا حرمت الآخرة.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري: عظني، فكتب إليه: انّ رأس ما يصلحك الزهد في الدنيا، والزهد باليقين، واليقين بالفكر، والفكر هو الاعتبار، فإذا فكّرت في الدنيا لم تجدها أهلاً لأن تنفع نفسك بجميعها فكيف ببعضها، ووجدت نفسك أهلاً أن تكرمها بهوان الدنيا.
واذكر قول الله تعالى: {وكلّ انسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً}[٢] فلقد عدل عليك مَنْ جعلك حسيباً على نفسك حيث قال[٣]: {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}[٤].
وقال: لقد صحبت في الدنيا أقواماً كانوا والله قرّة عين، وكلامهم شفاء الصدور، وكانوا والله في الحلال أزهد منكم في الحرام، وكانوا على النوافل أشد محافظة منكم على الفرائض، وكانوا والله من حسناتهم ومن أعمالهم الحسنة مخافة أن ترد عليهم أكثر وجلاً من أعمالكم السيّئة أن تعذّبوا بها.
وكانوا والله من حسناتهم أن تظهر[٥] أشد خوفاً منكم من سيّئاتكم أن تشهر[٦]، وكانوا يسترون حسناتهم كما تسترون أنتم سيّئاتكم، وكانوا محسنين
[١] في "ب" و"ج": كثيرة.
[٢] الاسراء: ١٣.
[٣] في "ب" و"ج": لقوله تعالى.
[٤] الاسراء: ١٤.
[٥] في "ب": يظهروا.
[٦] في "ب": تشهدوا.