إرشاد القلوب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ٢٤٧
فالزم.
فلما صح يقينه كالمشاهدة أمره باللزوم، واليقين هو مطالعة أحوال الآخرة على سبيل المشاهدة، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً. فدل على انّه مشاهد[١] الآخرة مع الغيب عنها.
وقال عليه السلام: ما منكم إلاّ ومن قد عاين الجنة والنار ان كنتم تصدقون بالقرآن. وصدق عليه السلام لأنّ اليقين بالقرآن يقين بكل ما تضمّنه من وعد ووعيد، وهو أيضاً في قلب العارف كالعلم البديهي الذي لا يندفع، ولأجل هذا منعنا من انّ المؤمن يكفر بعد المعرفة.
فإن عارض أحد بقوله تعالى: {انّ الذين آمنوا ثم كفروا}[٢] قلنا: آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم كما قال تعالى: {قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا}[٣]، فالاسلام نطق باللسان، والايمان نطق باللسان واعتقاد بالقلب، فلما علم سبحانه انّه لم يعتقدوا ما نطقوا به حقاً نفى عنهم انّهم مؤمنون.
فأوّل مقامات الايمان المعرفة ثم اليقين ثم التصديق ثم الاخلاص ثم الشهادة بذلك كلّه، والايمان اسم لهذه الاُمور كلّها، فأوّلها النظر بالفكر في الأدلّة ونتيجته المعرفة، فإذا حصلت لزم التصديق، وإذا حصل التصديق والمعرفة أنتجا اليقين، فإذا صحّ اليقين جالت أنوار السعادة في القلب بتصديق ما وعد به من رزق في الدنيا وثواب في الآخرة، وخشعت الجوارح من مخافة ما توعد من العقاب، وقامت بالعمل والزجر عن المحارم.
وحاسب العقل النفس على التقصير في الذكر والتنبيه على الفكر، فأصبح صاحب هذه الحال نطقه ذكراً، وصمته فكراً، ونظره اعتباراً، واليقين يدعو إلى قصر
[١] في "ج": يشاهد.
[٢] النساء: ١٣٧.
[٣] النساء: ١٣٧.