إرشاد القلوب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ٣٠٧
الغني فإنّه مطغى لقوله تعالى: {كلاّ إنّ الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى}[١] وما يجمع الغني المال إلاّ لنعيم الدنيا ولذّتها وترفّهها، وقد قال الله تعالى: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون}[٢]، فوعدهم بالعذاب، وعيّرهم أيضاً بالتكاثر بقوله تعالى: {ألهاكم التكاثر}[٣] يعني عن العبادة والزهد.
وروي عن الصادق عليه السلام انّ رجلا فقيراً أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده رجل غنيّ، فكفّ ثيابه وتباعد عنه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ما حملك على ما صنعت، أخشيت أن يلصق فقره بك، أو يلصق غناك به؟!
فقال: يا رسول الله أما إذا قلت هذا فله نصف مالي، قال النبي صلى الله عليه وآله للفقير: أتقبل منه؟ قال: لا، قال: ولِمَ؟ قال: أخاف أن يدخلني ما دخله[٤].
واعلم انّ احياء دين الله، واعزاز كلمته، وامتثال أوامر الرسل والشرائع، ونصرة الأنبياء، وانتشار دعوتهم من لدن آدم إلى زمان نبيّنا محمد صلى الله عليه وآله لم تقم إلاّ بأولي الفقر والمسكنة، أولا تسمع إلى ما قصّه الله عليك في كتابه العظيم على لسان نبيّه الكريم، وتبيّن لك انّ المتصدّي لانكار الشرائع هم الأغنياء المترفون، والأشراف المتكبّرون.
فقال تعالى مخبراً عن قوم نوح عليه السلام إذ عيّروه: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون}[٥]، {وما نراك اتبعك إلاّ الذين هم أراذلنا}[٦] يعني بذلك الفقراء منّا.
وقالوا لشعيب عليه السلام: {إنّا لنراك فينا ضعيفاً (أي فقيراً) ولولا رهطك
[١] الأحقاف: ٢٠.
[٢] الأحقاف: ٢٠.
[٣] التكاثر: ١.
[٤] البحار ٧٢: ٥٤ ح٨٥; عن عدّة الداعي: ١١٤.
[٥] الشعراء: ١١١.
[٦] الشعراء: ١١١.