إرشاد القلوب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ٨٣
أنفسكم[١].
يقول العبد الفقير إلى رحمة الله ورضوانه، الحسن بن محمد الديلمي تغمّده الله برأفته ورحمته وغفرانه: انّ هذا الكلام منه عليه السلام لعظيم الموعظة، وجليل الفائدة، وبليغ المقالة، لو كان كلام يأخذ بالازدجار والموعظة لكان هذا، فكفى به قاطعاً لعلائق الآمال، وقادحاً زناد الاتعاظ والايقاض.
يأخذ والله بأعناق المتفكّرين فيه المتبصّرين في الزهد، ويضطرّهم إلى عمل الآخرة، فاعتبروا وتفكّروا وتبصّروا إلى معانيه يا اُولي الأبصار.
وقال عليه السلام في خطبة اُخرى تجري هذا المجرى: انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها الصارفين عنها، فانّها عن قليل والله تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المترف الآمن، لا يرجع ما تولّى منها فأدبر، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر، سرورها مشوب بالحزن، وجلد الرجال منها إلى الضعف والوهن.
فلا تغرّنّكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلّة ما يصحبكم منها، فرحم الله امرء تفكّر فاعتبر فأبصر، وكأنّما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن، وما هو كائن من الآخرة عمّا قليل لم يزل، وكلّ معدود منقص، وكلّ متوقّع آت، وكلّ آت قريب دان.
والعالم من عرف قدره، وكفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره، وانّ أبغض العباد إلى الله لعبد وكّله الله لنفسه، وهو جائر عن قصد السبيل، سائر بغير دليل، إن دُعي إلى حرث الدنيا عمل وإلى حرث الآخرة كسل، كأنّما عمل له واجب عليه، وما ونى عنه ساقط عنه. وذلك زمان لا يسلم فيه الاّ كلّ مؤمن نؤمة، ان شهد لم يُعرف، وان غاب لم يُفتقد، اُولئك مصابيح الهدى، وأعلام الورى، ليسوا بالمساييح ولاالمذاييع البذر، اُولئك يفتح الله عليهم باب الرحمة، ويكشف عنهم ضرّاء[٢] نقمته.
[١] نهج البلاغة: الخطبة ٢٨; ونحوه البحار ٧٧: ٣٣٣ ح٢١.
[٢] في "ج": ضرّ.