إرشاد القلوب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ١٩٤
أكرمهم الله، وأعظم الجهاد جهاد النفس لأنّها أمّارة بالسوء، راغبة بالشر، ميّالة إلى الشهوات، متثاقلة بالخيرات، كثيرة الأمال، ناسية الأهوال، محبّة للرئاسة، وطالبة للراحة.
قال الله تعالى: {انّ النفس لأمّارة بالسوء إلاّ ما رحم ربي}[١].
وقال عليه السلام: من أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، ومن أراد صلاح حاله ومجاهدة[٢] نفسه فليجعل دأبه مجاهدة النفس عند كل حال، لا يخالف فيه كتاب الله وسنة نبيه وسنن الأئمة من أهل بيته وآدابهم.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلاّ ونفسه عنده ظنون، يعني يتهمها ويزري عليها[٣].
قيل: انّ رجلاً في زمان بني اسرائيل نام عن صلاة الليل، فلمّا انتبه لام نفسه، فقال: هذا منك وبطريقك وتفريطك حرمت عبادة ربي، فأوحى الله إلى موسى عليه السلام: قل لعبدي هذا: اننّي قد جعلت لك ثواب مائة سنة بلومك لنفسك.
وينبغي للعاقل مجاهدة نفسه على القيام بحقوق الله وسلوك طريق السلامة، فإنّ الله تعالى قال: {والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا}[٤] ومن أراد السلامة من الشيطان فليجاهد نفسه ويحاسبها محاسبة الشريك لشريكه، ولقد أحسن أبوذر في قوله: ما وهب الله لامرء[٥] هبة أحسن من أن يلزمه زاجراً من نفسه يأمره وينهاه.
ومن مجاهدة النفس انّ الإنسان لا يأكل الا عند الحاجة، ولا ينام الا عند غلبة النوم، ولا يتكلّم الا عند الضرورة، وبالجملة يقمعها عن الهوى، كما قال
[١] يوسف: ٥٣.
[٢] في "ج": سلامة.
[٣] البحار ٧٣: ٨٥ ح ٤٨; عن عدة الداعي.
[٤] العنكبوت: ٦٩.
[٥] في "ج": لعبد.