إرشاد القلوب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ١٢٩
وحذّروه من الهلكة.
كانوا لذلك مصابيح تلك الظلمات، وأدلّة تلك الشبهات، وانّ للذكر أهلاً أخذوه بدلاً من الدنيا فلم تشغلهم تجارة ولا بيع، يقطعون به أيّام الحياة، ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين.
يأمرون بالمعروف ويأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه، فكأنّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك، وكأنّما اطلعوا على عيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه، وحقّقت القيامة عليهم عذابها، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا حتّى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمعون.
فلو مثّلتهم بعقلك[١] في مقاماتهم المحمودة، ومجالسهم المشهودة، قد نشروا دواوين أعمالهم، ففزعوا لحساب أنفسهم على كل صغيرة وكبيرة اُمروا بها فقصّروا عنها، أو نُهوا عنها ففرّطوا فيها، وحملوا ثقل أوزارهم على ظهورهم فضعفوا عن الإستقلال بها، فنشجوا نشيجاً[٢]، وتجاوبوا نحيباً، يعجّون إلى الله من مقام ندم واعتراف بذنب، لرأيت أعلام هدى، ومصابيح دجى.
قد حفّت بهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة، وفتحت لهم أبواب السماء، واُعدّت لهم مقاعد الكرامات في مقعد اطلع الله عليهم فيه فرضى سعيهم، وحمد مقامهم، يتنسّمون بدعائه روح التجاوز، رهائن فاقة إلى فضله، واُسارى ذلّة لعظمته.
جرح طول الأذى قلوبهم، وأقرح طول البكاء عيونهم، لكل بابِ رغبة إلى الله منهم يدٌ قارعة، يسألون من لا تضيق لديه المنادح، ولا يخيب عليه السائلون، فحاسب نفسك لنفسك، فإنّ غيرها من النفوس لها حسيب غيرك[٣].
[١] في "ب": بقلبك.
[٢] نشج الباكي ينشج نشيجاً: غصّ بالبكاء في حلقه.
[٣] نهج البلاغة: الخطبة ٢٢٢; عنه البحار ٦٩: ٣٢٥ ح٣٩.