نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٦٠ - ١٢٩ عضد الدولة ينفق عشرة ملايين درهم على بناء دار و إنشاء بستان
أنفق على ما قلع من التراب إلى هذه الغاية، و بناء هذه المسناة، مع ثمن ما ابتيع من الدور و استضيف؟ قلت: أظنّه شيئا كثيرا.
فقال لي: هو إلى وقتنا هذا، تسعمائة ألف درهم صحاحا، و يحتاج إلى مثلها دفعة أو دفعتين، حتى يتكامل قلع التراب، و يحصل موضعه الرمل موازيا لوجه البستان.
فلمّا فرغ من ذلك، و صار البستان أرضا بيضاء لا شيء فيها من غرس و لا نبات، قال: قد أنفق على هذا، حتى صار كذا، أكثر من ألفي ألف درهم.
ثم فكّر في أن يجعل شرب البستان، من دواليب ينصبها على دجلة، فأعلم أنّ الدواليب لا تكفي، فأخرج المهندسين إلى الأنهار التي في ظاهر الجانب الشرقيّ من مدينة السلام، ليستخرجوا منها نهرا يسيح ماؤه إلى داره، فلم يجدوا ما أرادوه إلاّ في نهر الخالص [١] ، فعلّى الأرض بين البلد و بينه تعلية أمكن معها أن يجري الماء على قدر، من غير أن يحدث به ضرر، و عمل تليّن عظيمين، يساويان سطح ماء الخالص، و يرتفعان عن أرض الصحراء أذرعا، و شقّ في وسطهما نهرا جعل له خورين [٢] من جانبيه، و داس الجميع بالفيلة، دوسا كثيرا، حتى قوي، و اشتد، و صلب، و تلبّد، فلما بلغ إلى منازل البلد، و أراد سوق النهر إلى داره، عمد إلى دور السلسلة، فدكّ أرضها دكّا قويا، و رفع أبواب الدور، و وثّقها، و بنى جوانب
[١] نهر الخالص، و لا يزال هذا اسمه، ذكره ياقوت في معجمه (٢/٣٩٠) و قال إن الخالص كورة عظيمة من شرقي بغداد إلى سور بغداد.
[٢] الخور: المنخفض من الأرض بين النشزين.