نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٥ - ١١ القاضي أبو جعفر بن البهلول يطلب بين الصدر و القبر فرجة
فصرف في اليوم الثالث، و أعيد العمل إلى أبي جعفر، فامتنع من قبوله، و رفع يده عن النظر في جميع ما كان إليه، و قال: أحبّ أن يكون بين الصدر و القبر فرجة، و لا أنزل من القلنسوة [١] إلى الحفرة.
و قال في ذلك:
تركت القضاء لأهل القضاء # و أقبلت أسمو إلى الآخرة
فإن يك فخرا جليل الثناء # فقد نلت منه يدا فاخره
و إن كان وزرا فأبعد به # فلا خير في إمرة وازره
فقيل له: فابذل شيئا، حتى يردّ العمل إلى ابنك أبي طالب [٢] .
فقال: ما كنت لأتحمّلها حيا و ميتا، و قد خدم ابني السلطان، و ولاّه الأعمال، فإن استوثق خدمته، قلّده، و إن لم يرتض مذاهبه، صرفه، و هذا يفتضح و لا يخفى، و أنشدهم:
يقولون همّت بنت لقمان مرة # بسوء، و قالت: يا أبي ما الذي يخفى
فقال لها: ما لا يكون، فأمسكت # عليه و لم تمدد لمنكرة كفّا
و ما كلّ مستور تغلّق دونه # مصاريع أبواب و لو بلغت ألفا
بمستتر و الصائن العرض سالم # و ربّتما لم يعدم الذم و القرفا
على أن أثواب البريء نقيّة # و لا يلبث الزور المفكّك أن يطفأ
قال: و لست أعلم هذا الشعر له، أو تمثّل به.
قال التنوخي، و كان أبو جعفر، يقول الشعر تأدبا، و تطرّبا، و ما علمت أنّه مدح أحدا بشيء منه، و له قصيدة طرديّة مزدوجة طويلة،
[١] يريد بالقلنسوة تقلد القضاء، راجع القصة ٢/٨٠ من النشوار.
[٢] أبو طالب محمد بن القاضي أبي جعفر بن البهلول: ترجمته في حاشية القصة ١/١٣٧ من النشوار.