نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٦٥ - ١٣٢ إلى غزال من بني النصارى
١٣٢ إلى غزال من بني النصارى
أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسّن التنوخي، رحمه اللّه، سنة ٤٤٣، قال:
حدّثنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري [١] قال: أنشدنا أبو القاسم مدرك بن محمد الشيباني [٢] ، لنفسه في عمرو النصراني [٣] :
قال القاضي أبو الفرج: و قد رأيت عمرا، و بقي حتى ابيضّ رأسه.
[١] أبو الفرج المعافى بن زكريا بن يحيى بن حميد بن حماد بن داود النهرواني القاضي المعروف بابن طرار (٣٠٥-٣٩٠) : ترجمته في حاشية القصة ٣/١٣١ من النشوار.
[٢] مدرك بن محمد، أبو القاسم الشيباني الشاعر: نظم في جميع أغراض الشعر، و لكنه اشتهر بالغزل، ترجم له الخطيب البغدادي في تاريخه ١٣/٢٧٣.
[٣] كان عمرو بن يوحنا النصراني يسكن في دار الروم ببغداد، في الجانب الشرقي، و كان من أحسن الناس صورة و أجملهم خلقا، و كان مدرك بن علي الشيباني يهواه، و كان من أفاضل أهل الأدب، و كان له مجلس يختلف إليه الأحداث لا غير، فإن حضره شيخ أو كهل، قال له:
إنه ليقبح بمثلك أن يختلط بالأحداث و الصبيان، فقم في حفظ اللّه، و كان عمرو بن يوحنا، ممن يحضر مجلسه، فعشقه مدرك، و هام به، فجاء عمرو يوما إلى المجلس، فكتب مدرك رقعة، و طرحها في حجره، فقرأها، فإذا فيها:
بمجالس العلم التي # بك تم جمع جموعها
إلا رثيت لمقلة # غرقت بماء دموعها
بيني و بينك حرمة # اللّه في تضييعها
فقرأ الأبيات، و وقف عليها من كان في المجلس، و قرأوها، و استحيا عمرو من ذلك، فانقطع عن الحضور، و غلب الأمر على مدرك، فترك مجلسه، و لزم دار الروم، و جعل يتبع عمرا حيث سلك، و قال فيه قصيدة مزدوجة عجيبة، و له أيضا في عمرو أشعار كثيرة، ثم اعترى مدركا الوسواس، و سل جسمه، و ذهب عقله، و انقطع عن إخوانه، و لزم الفراش، فحضره جماعة، فقال لهم: أ لست صديقكم القديم العشرة لكم؟أ ما فيكم أحد يسعدني بالنظر إلى وجه عمرو؟فمضوا بأجمعهم إليه، و قالوا له: إن كان قتل هذا الفتى دينا- -فإن إحياءه مروءة، قال: و ما فعل؟قالوا: قد صار إلى حال ما نحسبك تلحقه، فلبس ثيابه، و نهض معهم، فلما دخلوا عليه، سلم عليه عمرو، و أخذ بيده، و قال: كيف تجدك يا سيدي؟فنظر إليه، و أغمي عليه ساعة، ثم أفاق، و فتح عينيه، و هو يقول:
أنا في عافية إلا # من الشوق إليك
أيها العائد ما بي # منك لا يخفى عليك
لا تعد جسما و عد # قلبا رهينا في يديك
كيف لا يهلك مر # شوق بسهمي مقلتيك
ثم شهق شهقة، فارق الدنيا بها، حتى دفنوه (مصارع العشاق ١/٢٤٢ و ٢/٢٥٨) .