نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١١٥ - ٥٥ أبو بكر الآدمي القارئ يقرأ لابن أبي الساج
فقلت: السمع و الطاعة.
فلما كان من الغد شهر ابن أبي الساج ببرنس [١] ، فبدأت، فقرأت، وَ كَذََلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذََا أَخَذَ اَلْقُرىََ وَ هِيَ ظََالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [٢]
و أتبعتها بكل ما في القرآن من هذا الجنس.
قال: و حانت مني التفاتة، فوجدت ابن أبي الساج يبكي.
و مضى ذلك اليوم.
فلمّا كان بعد أيّام، رضي عنه السلطان، بشفاعة مؤنس، فأطلقه إلى داره.
فأنا كنت يوما بحضرة مؤنس أقرأ، إذ استدعاني و قال لي: قد طلبك اليوم ابن أبي الساج، فامض إليه.
فقلت له: أيّها الأستاذ، اللّه، اللّه، فيّ، لعلّه وجد في نفسه من قراءتي ذلك اليوم.
فضحك، و قال: امض إليه.
فمضيت إليه، فرفعني، و أجلسني، و قال: أحبّ أن تقرأ تلك الآيات التي قرأتها بين يديّ يوم كذا.
فقلت: أيّها الأمير، تلك حالة اقتضت ذلك، و ليس مثلك بمؤاخذ مثلي عليها، و قد كشفها اللّه الآن، و لكن أقرأ لك غيرها.
فقال: لا، إلاّ تلك، فإنّه تداخلني لها خشوع و خوف، أحبّ أن أكسر به نفسي، فردّد سماعها عليّ.
قال: فاستفتحت، فقرأتها، فما زال يبكي و ينتحب، إلى أن قطعت القراءة.
[١] البرنس: كل ثوب يكون غطاء الرأس جزءا منه متصلا به.
[٢] . ١٠٣ ك هود ١١.