المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٤٢ - ٩٢٩- أبو عبد اللَّه الحربي الزاهد
له، فقال: يا غلام، آتيني بإبراهيم بن شبيب بن شيبة من بين القوم، فجئت فدخلت عليه، فسألني عن قصتنا و من أين أقبلنا، فصدقته الحديث، فقال: أنا أسبقكم إلى بره، يا غلام، آتيني ببدرة دراهم، فجاء فقال: أحمل هذه البدرة مع هذا الرجل حتى يدفعها إلى من أمرناه، ففرحت، ثم قمت مسرعا، فلما أتيت الباب سلّمت فأجابني أبو عبد اللَّه، ثم خرج إليّ، فلما رأى الفراش و البدرة على عنقه كأني سفيت في وجهه الرماد، فأقبل عليّ بغير الوجه الأول و قال: ما لي و لك، تريد أن تفتنني؟ فقلت: يا أبا عبد اللَّه أقعد حتى أخبرك، إنه من القصة كذا و كذا، و هو الّذي تعلم أحد الجبارين- يعني محمد بن سليمان- و لو كان أمرني أن أضعها حيث أرى لرجعت إليه فأخبرته إني ١٥٤/ أ قد وضعتها، فاللَّه اللَّه في نفسك، فازداد عليّ غيظا، و قام فدخل منزله و صفق/ الباب في وجهي فجعلت أقدم و أؤخر، ما أدري ما أقول للأمير، ثم لم أجد بدّا من الصدق، فجئت فأخبرته الخبر فقال: حروري و اللَّه يا غلام، عليّ بالسيف، فجاء بالسيف فقال:
خذ بيد هذا حتى يذهب بك إلى هذا الرجل، فإذا خرج إليك فاضرب عنقه و آتيني برأسه، قال إبراهيم: فقلت: أصلح اللَّه الأمير، اللَّه اللَّه، فو اللَّه لقد رأينا رجلا ما هو من الخوارج، و لكني أذهب فآتيك به، و ما أريد بذلك إلا افتداء منه، قال: فضمنيه، فمضيت حتى أتيت الباب فسلّمت، فإذا المرأة تحن و تبكي، ثم فتحت الباب و توارت و أذنت فدخلت، فقالت: ما شأنكم و شأن أبي عبد اللَّه؟ قلت: و ما حاله؟ قالت: دخل فمال إلى الركي فنزع منها ماء فتوضأ ثم صلى ثم سمعته يقول: اللَّهمّ اقبضني إليك و لا تفتني. ثم تمدد و هو يقول ذلك، فلحقته و قد قضى، فهو ذاك ميت، فقلت: يا هذه إن لنا قصة عجيبة، فلا تحدثوا فيه شيئا، فجئت محمد بن سليمان فأخبرته الخبر، فقال:
أنا أركب فأصلي على هذا، قال: و شاع خبره بالبصرة، فشهده الأمير و عامة أهل البصرة، رحمه اللَّه.