المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٠٨ - ذكر طرف من سيرته و أخباره
الحسن بن محمد بن [١] عبد الواحد بن علي البزاز قال: أخبرنا أبو سعيد السيرافي قال:
حدّثنا محمد بن أبي الأزهر النحويّ قال: حدّثنا الزبير بن بكار قال: حدّثني عمي مصعب بن عبد اللَّه، عن جدي عبد اللَّه بن مصعب قال: دخل مروان بن أبي حفصة على الهادي فأنشده مديحا له، حتى إذا بلغ قوله:
تشابه يوما بأسه و نواله * * * فما أحد يدري لأيهما الفضل
فقال له الهادي: أيما أحب إليك ثلاثون ألفا معجّلة أو مائة ألف تدور في الدواوين؟ قال: يا أمير المؤمنين، أنت تحسن ما هو أحسن من هذا، و لكنك أنسيته، أ فتأذن لي أن أذكرك؟ قال: نعم، قال: تعجل الثلاثون الألف، و تدور المائة الألف.
قال: بل تعجّلان لك جميعا، فحمل ذلك إليه [٢].
قال سعيد بن سلم: سرنا مع الهادي بين أبيات جرجان، فسمع صوتا من بعض تلك البساتين من رجل يتغنّى فقال لصاحب شرطته: عليّ بالرجل الساعة. فقلت: يا أمير المؤمنين، ما أشبه قصة هذا الخائن بقصة سليمان بن عبد الملك، فإنه كان في متنزه له و معه حرمه، فسمع من بستان آخر صوت رجل يتغنّى، فدعا صاحب شرطته فقال: عليّ بصاحب هذا الصوت، فلما مثل بين يديه قال: ما حملك على الغناء و أنت إلى جنبي و معي حرمي! أما علمت إن الرّماك [٣] إذا سمعت صوت الفحل حنّت؟ قال: فجبّ الرجل، فلما كان في العام المقبل ذهب سليمان إلى ذلك المتنزه فجلس و ذكر الرجل، ١٣٨/ ب فقال لصاحب شرطته: عليّ بالرجل الّذي جببناه، فلما مثل/ بين يديه قال له: إمّا بعت فوفّيناك، و إما وهبت فكافأناك قال: فو اللَّه ما دعاه بالخلافة، و لكنّه قال: يا سليمان إنك قطعت نسلي و ذهبت بماء وجهي، و حرمتني لذّتي، ثم تقول: إمّا وهبت و إمّا بعت؟ لا و اللّه حتى أقف بين يدي اللَّه. قال: فقال موسى: يا غلام، ردّ صاحب الشرطة، فردّه، قال: لا تعرض للرجل [٤].
قال علي بن صالح: ركب الهادي يوما يريد عيادة أمّه الخيزران من علّة كانت
[١] في ت: «الحسين بن أحمد».
[٢] انظر الخبر في: تاريخ بغداد ١٣/ ٢٣- ٢٤.
[٣] الرماك: الرمكة في القاموس: «الفرس أو البرذونة، تتخذ للنسل».
[٤] انظر الخبر في: تاريخ الطبري ٨/ ٢١٤- ٢١٥.