المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٢٥ - ذكر طرف من
عدي: منا خليفة خليفة رسول اللَّه، و قالت بنو أميّة، منا خليفة الخلفاء، فأين حظكم يا بني هاشم من الخلافة؟ و اللّه ما حظكم فيها إلا علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه، فقال:
و اللّه يا أبا معاوية لا يبلغني أن أحدا لم يثبت خلافة علي إلا فعلت به كذا و كذا.
و كان الرشيد يستقبح المدح بالكذب و يذم المادح به. قال يوما لبعض ولاته:
كيف تركت الناس؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أحسنت فيهم السيرة و أنسيتهم سيرة العمرين. فغضب الرشيد و استشاط و قال: ويلك يا ابن الفاعلة، العمرين العمرين، و أخذ سفرجلة فرماه بها فكادت تهلكه، و أخرج من بين يديه.
و كان الرشيد يكثر الحج و الغزو و اتخذ قلنسوة مكتوب عليها: غاز حاج.
قال ابن البراء: كان يحج سنة و يغزو سنة، حجّ بالناس ست مرات، [فقال داود بن رزين] [١]:
بهارون لاح البدر في كلّ بلدة * * * و قام به في عدل سيرته النّهج
إمام بذات اللَّه أصبح شغله * * * و أكثر ما يعنى به الغزو و الحجّ
تضيق عيون الناس عن نور وجهه * * * إذا ما بدا للنّاس منظره البلج
و إنّ أمين اللَّه هارون بالنّدى * * * ينيل الّذي يرجوه أضعاف ما يرجو [ (٢
و قال أبو المعلى الكلابي:
فمن يطلب لقاءك أو يرده * * * فبالحرمين أو أقصى الثغور
/ ففي أرض العدو علي طمر * * * و في أرض البنية فوق كور
[٣] ١٤٦/ أ و ألح عليه في بعض غزواته الثلج، فقال بعض أصحابه: أما ترى يا أمير المؤمنين ما نحن فيه من الجهد و الرعية وادعة فقال له: اسكت، على الرعيّة المنام، و علينا القيام، و لا بد للراعي من حراسة رعيته. فقال بعض الشعراء في ذلك:
غضبت لغضبتك القواطع و القنا * * * لمّا نهضت لنصرة الإسلام
ناموا إلى كنف بعدلك واسع * * * و سهرت تحرس غفلة النوّام
[١] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[٢] انظر الأبيات في: تاريخ الطبري ٨/ ٢٣٤.
[٣] انظر الأبيات في: تاريخ بغداد ١٤/ ٦.