المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٠٣ - ثم دخلت سنة ثمان و خمسين و مائة
قال: ثم جئت ابن جريج و إلى سفيان و عباد بن كثير،/ فأبلغتهم ما قال، فقالوا:
هو في حل، فقلت: يقول لكم: لا يظهرن أحد منكم ما دام المنصور بمكة مقيما. قال:
فلما قرب المنصور وجهني محمد بن إبراهيم بألطاف، فلما أخبر المنصور أن رسول محمد ابن إبراهيم قدم، أمر بالإبل فضربت وجوهها، فلما صار إلى بئر ميمون لقيه محمد بن إبراهيم فأمر بدوابه فضربت [١] وجوهها، فكان يسير ناحية و عدل بأبي جعفر عن الطريق في الشق الأيسر فأنيخ به و محمد واقف قبالته و معه طبيب له، فلما ركب أبو جعفر و سار و عديله الربيع، أمر محمد الطبيب فمضى إلى موضع مناخ أبي جعفر فرأى نجوة، فقال لمحمد: رأيت نجو رجل لا تطول به الحياة، فلما دخل مكة لم يلبث أن مات و سلم محمد.
و في هذه السنة: شخص أبو جعفر من مدينة السلام متوجها إلى مكة و ذلك في شوال، فنزل قصر عبدويه، فانقض في مقامه هناك كوكب لثلاث بقين من شوال بعد إضاءة الفجر، فبقي أثره بيّنا [٢] إلى طلوع الشمس، و كان المهدي معه [و هو] [٣] يوصيه بالمال، و السلطان يفعل ذلك كل يوم من أيام مقامه لا يفتر [٤]، و قال له [٥]: إني سائر و إني غير راجع، فإنا للَّه و إنا إليه راجعون، فاسأل اللَّه بركة ما أقدم عليه، و هذا كتاب وصيتي مختوما، فإذا بلغك أني قد مت فانظر فيه. و عليّ دين فأحب أن تقضيه و هو ثلاثمائة ألف و نيف، فلست أستحلها من بيت مال المسلمين، فاضمنها عني، و إني ولدت [٦] في ذي الحجة، و وليت في ذي الحجة و قد هجس في نفسي أني أموت في ذي الحجة من هذه السنة، و هذا الّذي حداني على الحج، فاتق اللَّه، و إياك و الدم الحرام، و افتتح عملك بصلة الأرحام، و إياك و التبذير.
فلما كان في [٧] اليوم الّذي أراد أن يرتحل فيه دعي المهدي فقال له: إني لم أدع
[١] في الأصل: «فضرب» و ما أوردناه من ت.
[٢] في الأصل: «أبينا» و ما أوردناه من ت و الطبري.
[٣] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.
[٤] تاريخ الطبري ٨/ ١٠٣.
[٥] تاريخ الطبري ٨/ ١٠٤.
[٦] تاريخ الطبري ٨/ ١٠٥.
[٧] تاريخ الطبري ٨/ ١٠٣.