نهج المستنير وعصمة المستجير - الحسيني، السيد صلاح الدين - الصفحة ٢٦٢ - ٣ ـ نداءات الحقيقة من خلال السفر والزيارة
للشخص ، فإنّها من أهم ما يشحن القلب بالروحانيات. وممّا يشحذ العقل للتفكر بحقائق الوجود وكلّ ذلك بشرط أنْ يتوفر لدى المسافر القصد الصحيح والنيّة الصادقة ، والإخلاص لله تعالى ، وأن يكون السفر كحقيقته من أجل العلم والبحث والمعرفة ، حتّى يتحقّق الهدف من السفر ، ألا وهو الكشف والبيان ، كما أنّ السفر بحاجة إلى الرفيق المؤمن الصادق صاحب الحظّ ، فكما روى السيوطي وغيره عن معاذ أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله قال : سافروا مع ذوي الجدود وذوي الميسرة [١]. وكما يقال أيضا الرفيق قبل الطريق.
وقد قال المنّاوي في فيض القدير في شرح الحديث : لأنّ السفر يظهر خبايا الطبائع وكوامن الأخلاق وخفايا السجايا ، إذ الأبدان إذا تعبت ضعفت القوّة المختلفة في القلّة والكثرة؛ لكون الطبائع تبعثها وتبيّن مقاديرها وزيادة بعضها ونقصان بعض ، فتظهر محاسن الأخلاق ومساوئها ، لأنّها تميّز الطبائع من القوّة والقوى من الأحوال ، والسفر يأتي على مختلف الأهوية والأغذية ، فمن سافر مع أهل الجدّ والاحتشام يكلّف رعاية الأدب وتحمّل الأذى وموافقتهم بما يخالف طبعه ، فيكون ذلك تأديباً له ورياضة لنفسه فيتهذّب لذلك ، ويهتدي إلى تجنّب مساوئ الأخلاق واكتساب محاسنها ، وأمّا من سافر مع من دونه ، فكلّ من معه يحمل نفسه على موافقته ، ويتحمّل المكاره لطاعته ، فتحسن أخلاقهم وربّما يسوء خلقه ، فإنّ حسن الخلق في تحمّل المكاره [٢].
يقول الحقّ جلّ وعلا في سورة العنكبوت : ( قُل سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [٣].
[١] الجامع الصغير ٢ : ٤٠ ، كنز العمال ٦ : ٧٠٤ عن مسند الفردوس للديلمي.
[٢] فيض القدير شرح الجامع الصغير ٤ : ١٠٩
[٣] العنكبوت : ٢٠.