نهج المستنير وعصمة المستجير - الحسيني، السيد صلاح الدين - الصفحة ١٧٤ - وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم
أمعنوا في التيه وأوغلوا في الجهل وتسكّعوا في تفسير قوله تعالى : ( ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) [٢]. حيثُ اشتبهت عليهم في هذه الآية معالم القصد ، وعميت لديهم فيها وجوه الرشد ، فقالوا بنزولها في التنديد برسول الله وأصحابه ، حيث آثروا ( بزعم هؤلاء الجهلاء ) عرض الدنيا على الآخرة ، فاتّخذوا الأسرى ، وأخذوا منهم الفداء قبل أنْ يثخنوا في الأرض ، وزعموا أنّه لم يسلم يومئذ من الخطيئة إلا عمر ، وإنّه لو نزل العذاب لم يفلت منه إلا ابن الخطّاب ، ورووا في ذلك من الروايات الموضوعة ما شاءه جهلهم ، واقتضاه نفاق الواضعين وعداوتهم.
وكذب من زعم أنّه صلىاللهعليهوآله اتّخذ الأسرى وأخذ منهم الفداء قبل أنْ يثخن في الأرض ، فإنّه بأبي وأمّي إنّما فعل ذلك بعد أنْ أثخن في الأرض ، وقتل صناديد قريش وطواغيتها ، كأبي جهل وعتبة وشيبة والوليد وحنظلة إلى سبعين من رؤوس الكفر وزعماء الضلال ، كما هو معلوم بالضرورة الأوليّة ، فكيف يمكن بعد هذا أنْ يتناوله صلىاللهعليهوآله اللوم المذكور في الآية ( تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً )؟!.
والصواب أنّ الآية إنّما نزلت في التنديد بالذين كانوا يودّون العير وأصحابه على ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله في هذه الواقعة عزّ من قائل : ( وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ
[١] الأنفال : ٦٧ ـ ٦٨.