بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨٠ - الواقفية
إنّ السبب الغالب لبروز فكرة التوقف بين طائفة من الشيعة هو أنّها رزحت تحت نير الحكم الاَُموي والعباسي ولولا لجوئها إلى التقية واتخاذها سلاحاً لما كتب لها البقاء ، حتى أنّ الاتهام بالزندقة والاِلحاد كان أخف وطأً من الاتّهام بالتشيّع في فترة خلافة عبد الملك بن مروان وإمارة الحجاج على العراق ، فكان الاَئمّة لا يبوحون بأسرارهم إلاّ لخاصتهم ، حتى نرى أنّ رحيل كلّ إمام تعقبه هوة بين الشيعة برهة من الزمن إلى أن يستقرَّ الرأي على الحقّ.
هذا هو السبب الغالب لنشوء بعض الفرق بين الشيعة الذين لم يكن لديهم أيّ اختلاف في الاَُصول والفروع إلاّ في القيادة والاِمامة.
إنّ عصر هارون الرشيد كان عصر القمع والكبت والتضييق على الشيعة وإمامهم ، وكانت سياسته على غرار سياسة أبي جعفر الدوانيقي ، والتاريخ يحدثنا عن السياسة التي اتبعها مع الاِمام موسى الكاظم عليهالسلام.
كان الاِمام مهوى قلوب الشيعة ، يتلقون عنه أحكام الدين وأُصول المذهب ، وربما تحمل إليه الاَموال من المشرق ومن المغرب فشق على هارون لمّا أخبره بعض جواسيسه بهذا الاَمر ، ولاَجل معالجة هذا الموقف الذي أشغل فكره ، حجّ في تلك السنة وزار قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : يا رسول اللّه إنّي أعتذر إليك من شيء أُريد أن أفعله ، أُريد أن أحبس موسى بن جعفر ، فإنّه يريد التشتيت بأُمّتك وسفك دمائها. ثمّ أمر به فأُخذ من المسجد فأُدخل إليه فقيّده ، وأُخرج من داره بغلان عليهما قبتان مغطاتان هو عليهالسلام في إحديهما ، ووجه مع كلّ واحدة منهما خيلاً ، فأخذ بواحدة على طريق البصرة ، والاَُخرى على طريق الكوفة ، ليعمى على الناس أمره ، وكان في التي مضت إلى البصرة.
وأمر الرسول أن يسلّمه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور ، وكان على البصرة