بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٢ - عقيدتهم في التوحيد
إنّ الاَيس بمعنى الوجود ، ولعلّ أوّل من استعمله هو الفيلسوف الكندي ، وقد اشتهر في الفلسفة الاِسلاميّة أنّ الممكن من ذاته أن يكون ليس ، ومن علّته أن يكون أيس ، وإن كانت هذه الكلمة في التعبير عن مكانة الممكن تعبيراً غير دقيق ، لاَنّ معناه ، أنّ الممكن من ذاته يقتضي العدمَ ، وهذه علامة الممتنع لا الممكن ، فالممكن لا يقتضي من صميم ذاته أحدَ الشيئين ، الاَيس والليس.
وعلى كلّ تقدير فهوَلاء يستنكرون وصفه سبحانه بالاَيس ، المرادف للوجود.
وقد استدل عليه الداعي الكرماني بوجه مبسّط نأخذ منه ماله صلة بصميم الموضوع ، وحاصل ما ذكره يرجع إلى أمرين :
الاَوّل : لمّا كان الاَيس ـ في كونه أيساً ـ محتاجاً إلى ما يستند إليه في الوجود ، وكان هو ـ عزّ كبرياوَ هـ متعالياً عن الحاجة فيما هوهو إلى غير ، به يتعلق ، مابه هوهو ، كان من ذلك الحكم ، بأنّه تعالى خارج عن أن يكون أيساً ، لتعلّق كون الاَيس أيساً بالذي يتأوّل عليه الذي جعله أيساً ، واستحالة الاَمر في أن يكون هو تعالى أيساً ، ولا هو يحتاج فيما هوهو إلى غير به هوهو ، فيستند إليه ، تكبّر عن ذلك وتعزّز وتعالى علوّاً كبيراً.
فإذا كان هو عزّوعلا غير محتاج فيما هوهو إلى غير ، به يتعلّق ، ما به هوهو ، فمحال كونه أيسا.
وحاصل هذا الوجه مع تعقيده في التعبير ، يرجع إلى أمر واضح ، وهو أنّه لوكان موصوفاً بالوجود ، فبما أنّ الصفة غير الموصوف ، يحتاج في وصفه به إلى الغير ، وهو تعالى غني عمّا سواه.
ولو كان ما جاء به الكرماني مذهباً للاِسماعيليّة فهو يُعرب عن عدم نضوج الفلسفة اليونانية في أوساطهم ، فهوَلاء يتصوّرون أنّ الوجود أمر عارض على