بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٣ - الحاكم بأمر اللّه
وتم بناء الجامع الجديد بباب الفتوح ، وعلّق على سائر أبوابه ستور ديبقية عملت له ، وعلّق فيه تنانير فضة عدّتها أربع وكثير من قناديل فضة ، وفرش جميعه بالحصر التي عملت له ، ونصب فيه المنبر ، وتكامل فرشه وتعليقه ، وأذن في ليلة الجمعة سادس شهر رمضان سنة ثلاث وأربعمائة لمن بات في الجامع الاَزهر أن يمضوا إليه ، فمضوا وصار الناس طول ليلتهم يمشون من كلّواحد من الجامعين إلى الآخر بغير مانع لهم ولا اعتراض من أحد من عسس القصر ، ولا أصحاب الطوف إلى الصبح ، وصلّى فيه الحاكم بأمر اللّه بالناس صلاة الجمعة ، وهي أوّل صلاة أُقيمت فيه بعد فراغه. [١]
ما ذكرنا من محاسن أعماله قد أخفاها أعداوَه ، وبدل ذلك فقد نالوا منه وأكثروا في ذمّه وذكر مساوىَ أعماله ، حتى تجد انّ الذهبي قد بالغ في ذمّه ووصفه بقوله : « العبيدي ، المصري ، الرافضي بل الاِسماعيلي الزنديق المدّعي الربوبية ».
ثمّ يقول في موضع آخر : وكان شيطاناً مريداً ، جباراً عنيداً ، كثير التلوّن ، سفاكاً للدماء ، خبيث النحلة ، عظيم المكر ، جواداً ممدحاً ، له شأن عجيب ونبأ غريب ، كان فرعون زمانه ، يخترع كلّ وقت أحكاماً يلزم الرعية بها إلى آخر ما ذكر. [٢]
وعلى أيّ حال فهو من الشخصيات القلقة التي تجمع بين محاسن الاَعمال ومساوئها.
ولولا انّ الحاكم كان من الشيعة لما وجد الذهبي السلفي في نفسه مبرراً لصب هذه التقريعات.
وقد اكتفينا بذلك في ترجمته ، لاَنّ فيها أُموراً متناقضة ومتضادة لا يمكن الاِذعان بصحّة واحد منها.
[١] المقريزي : الخطط : ٢ / ٢٧٧ ، دار صادر.
[٢] الذهبي : سير أعلام النبلاء : ١٥ / ١٧٤.