بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٣٢ - الملامح العامّة للقرامطة
والحديث عن العوامل التي أدّت إلى نشوء الحركة القرمطية ، وقيام دولة القرامطة ، ذو شجون ، والخوض فيه يحتاج إلى تفصيلات ، لا يتسع لها مجال هذه الدراسة ، التي قصدنا بها التعريف بالقرامطة ، وحركتهم بأكثر ما أمكننا من الاِيجاز ، دون الدخول في التناقضات التي تميّزت بها أقوال المحققين.
كان المجتمعُ الاِسلامي ، في أواخر العهد الاَُموي يسير في طريق مُظلم ، وأنّ الدولة الاَُمويّة الحاكمة ، العربيّة النزعة والطابع ، كما هو جليّ وواضح في تاريخها لم تكن تعتمد إلاّ على العناصر الخالصة التي تنحدر من أصل عربي فلم يُعِنْ بنو أُمية بغير قومهم العرب ، فمنهم الولاة والقوّاد ، وروَساء الدولة ، والعمال وحكّام الاَقاليم ، والمقاطعات ، فضلاً عن أنّ زمام الاَسواق التجارية والمهنيّة والزراعيّة ، والنفوذ والجاه ، كان أيضاً بأيديهم ، وبأيدي أنصارهم ، ولهذا كره الموالي (غير العرب) حكمهم ، وعملوا على إسقاطهم وكانوا معاول هدم في كيان الدّولة الاَُمويّة.
إنّ المجتمع الاَُموي كان يقوم على سيادة العنصر العربيّ ، فكان لا يتمكن أيُّ إنسان من الانتساب إلى صفوفه إلاّ بطريق الولادة ، ولم يكن أفراده يدفعون الضرائب عن أراضيهم ، وكانوا وحدهم أصحاب الحقّ ، بأن يتجنّدوا في الاَمصار ، ويقبضوا الرواتب الشهرية المغرية ، فضلاً عن حقّهم بالاَعطية من غنائم الفتوح ، ولم يكن حلول العباسيين محلّالاَُمويين أكثر من مجرد تغيير الاَُسرة الحاكمة.
وبذلك تبين أنّ الاَسباب التي أدّت إلى قيام الحركة القرمطية كانت هي أيضاً في جوهرها حركة قوميّة إقليميّة وإقتصاديّة واجتماعيّة ، ولعلّنا لا نأتي بجديد حين نقول : إنّ الاَُمويين بسياستهم هذه : قد مهّدوا الطريق لمن يريد ضرب الدّولة الاِسلامية ، وكان أفضل وسيلة للمنفعلين بهذه الاَسباب أن اتخذوا من الصراع العقائدي بين بني أُميّة وبين بني هاشم ، ذريعة لتقويض الحكم العربي العنصريّ ، ونقض التعاليم الاِسلاميّة ، وذلك بادّعائهم الولاء للهاشميين في مطالبتهم