بحوث في الملل والنّحل - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥١ - العاضد لدين اللّه
إنّ لكلّ دولة أجلاً مسمّى ، كما أنّ لطلوعها ونشوئها عللاً ، كذلك لزوالها وإبادتها أسباباً سنّة اللّه سبحانه الذي قد كتب على كلّأُمّة أمرَ زوالها وفنائها قال سبحانه : « كُلّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الجَلالِ وألاِِكْرام » [١] وقال سبحانه : « ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلد أفَإن متّ فَهُمُ الْخاِلدُون ». [٢]
لا شكّ أنّكلَّ دولة يرأسها غيرُ معصوم لا تخلو من أخطاء وهفوات ، بل من جرائم وآثام ، وربّما تنتابها بين آونة وأُخرى حوادث وفتن ، تضعضع كيانها وتشرفها على الانهيار.
ومع ذلك فالدولة الفاطميّة غير مستثناة عن هذا الخط السائد ، فقد كانت لديهم زلاّت وعثرات ومآثم وجرائم كسائر الدول.
إلاّ أنّهم قاموا بأعمال ومشاريع كبيرة لا تقوم بها إلاّالدولة الموَمنة باللّه سبحانه وشريعته ، كالجامع الاَزهر ، ـ الذي ظل عبر الدهور يُنير الدرب لاَكثر من ألف سنة ـ ، كما أنّهم أنشأوا جوامع كبيرة ، ومدارس عظيمة مذكورة في تاريخهم ، وبذلك رفعوا الثقافة الاِسلامية إلى مرتبة عالية ، وتلك الاَعمال جعلت لهم في قلوب الناس مكانة عالية.
وممّا يدلّ على أنّ حكمهم لم يكن حكماً استبدادياً ، ولم تكن سيرتهم على سفك الدماء ، أنّ البعضَ منهم تسلموا الخلافة وهم بين خمس سنين إلى عشر سنين ، فلوكانت حكومتهم حكومة ظالمة ومالكة للرقاب بالتعسف والظلم ، لانهار ملكهم منذ أوائل خلافتهم ، ولم يدم ثلاثة قرون ، وسط عدوّين شرسين ، الخلافة العباسيّة من جانب ، والافرنج من جانب آخر.
غير أنّا نرى أنّ أكثر الموَرّخين يصوّرونهم كالفراعنة ، وأنّهم فراعنة الاَعصار
[١] الرحمن : ٢٦ ـ ٢٧.
[٢] الاَنبياء : ٣٤.