نساءٌ حول أهل البيت - فوزي آل سيف - الصفحة ١١ - العالم المعاصر والحصاد المر
لا تنتهي بها إلى إلغاء خصوصيتها، ولا تسيء إلى كرامتها وشرفها الإنساني، والتزامها الديني.
العالم المعاصر والحصاد المر:
تماماً كما هو السراب، ينظر إليه العاطش من بعيد، فيرى فيه الماء الرقراق الذي يتغلغل في كل خلية من خلاياه فيكسبها قوة وارتواء، ويعطيه نشاطا وحياة بعدما كان ينتهي إلى التجفاف والموت، {حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} وعجيب تعبير القرآن، وكم فيه من أعاجيب، فهو لا يقول أنه وجده شيئا غير مفيد، بل ليس بشيء أصلا. هكذا هو مثال القيم الغربية والحياة والنمط الثقافي الذي يدعو إليه المتغربون مجتمعنا الإسلامي.
أو كقوس قزح فيه من الألوان المتراقصة والجميلة ما يخلب الألباب ويشد الأنظار، ويصنع البهجة والإعجاب، حتى إذا غير الناظر زاوية النظر، أو تغير الوقت، وتبدلت جهة انكسار الضوء الشمسي الكاشف، وإذا به ينتهي و{لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا}.
الناظرون إلى الحضارة والإنجاز الغربي وهو عظيم حقا في مستوى الآلة والتنظيم الظاهري وبائس ومريض إلى النخاع في مستوى القيم والنظام الأخلاقي عادة ما ينبهرون بالسراب ويتصورونه غدير ماء بارد في صحراء الكون الحارقة، لكنهم بعد التأمل وأحياناً بعد التخبط لا يرون شيئاً.
لقد وصل الإنسان الغربي بما أتاحه الله له من إمكانات عقلية سيطر فيها على خامات الطبيعة إلى مدارج من الكمال الظاهري والتقني لم تكن لتخطر على بال أحد، ويتعب المرء لو أراد أن يتابع ما ينتج كل سنة فضلا عن الأيام.. ولا يستغرب أن يأتي يوم يستطيع فيه العالم أن يجري كل شؤونه من خلال الأزرار. لكنه بقي في النظام الأخلاقي بائسا، فدمر نفسه، وأصبحت خطورته أكثر من السابق، فإذا كان المجرم في السابق يستطيع أن يدمر العشرات، فإن تدميره اليوم يعد بعشرات الألوف، وإذا