نساءٌ حول أهل البيت - فوزي آل سيف - الصفحة ١٨٩ - ٤- آمنة بنت الشريد
رعباً وأوسعتني سبًّا.
ثم إن معاوية أراد أن يسكتها فيما بعد، فقال إلى عبيد بن أوس: ابعث إليها بما يقطع عني لسانها وتقضي ما ذكرت من دينها، وتخف به إلى بلادها، وقال: اللهم اكفني شرها وشر لسانها.
وجاء الرسول بما أمر به معاوية، من مال الله الذي يشتري به ذمم الشعراء، والرؤساء، فتراهم يتهالكون على ذلك الحطام الحرام الزائل، فلما رأته قالت: واعجبا من معاوية! يقتل زوجي ويبعث لي بالجوائز! فليت حظي من أبي كرب سد عني خيره وشره!!
وخرجت من دمشق بعد سنتين من السجن، تحمل معها ألم الغربة والسجن، وحرارة الترمل بعد زوج صالح مثل عمرو بن الحمق الخزاعي رضوان الله عليه، ووجهتها هذه المرة إلى الكوفة، وفي الطريق لما وصلت إلى حمص أصابها الطاعون، فماتت، ماتت.. وما ماتت مواقفها الكريمة، وقضت وما دفنت كلماتها المبدئية العزيزة، تهاوى الجسد أمام طاعون الظلم، وطاعون المرض، وبقيت مثلا كريما للعزة التي تتمرد على الطغيان، وللقلب العظيم الذي يواجه الباطل قويا ثابتا لا يتضعضع، يواجه الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
وإذا كان (ذكر الفتى عمره الثاني) فلقد خلفت ذكرا عطرا تعبق بشذاه سماء المؤمنين.. وكم هي الفاصلة بين رجال (بالصورة) لا بالسيرة وبين امرأة أظهرت من المروءة، ما يكفي لأجيال ومن الشجاعة ما يسقي أمة.
انظر إلى النماذج التي عاصرتها، انظر إلى أولئك الصغار الزاحفين على الرمال ذلا وخضوعا، وإلى الأجراء البائعين دينهم، وعقيدتهم في سوق النخاسة والبخس.
ماتت.. وجاء الأسلع إلى معاوية كالمستبشر، فقال: أفرخ روعك يا أمير المؤمنين!