المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٠٤
الاشياء، وليس هو من علم الغيب كما يفهم بعض الناس. وكسوف الشمس هو مرور القمر بينها وبين الارض، وخسوف القمر يكون بوقوع ظل الارض عليه، لان نوره مستمد من الشمس فإذا حجب عنه أظلم ولقد كان المتقدمون من علماء الفلك يعرفون الكسوفين بالاستقراء، فانه في كل ٦٥٨٥ يوما وثلث يوم - أي نحو ثمانية عشر عاما واحد عشر يوما - يحدث سبعون كسوفا منها ٢٩ للقمر و ٤١ للشمس، ويكون أقله مرتان، وإذا كان قاصرا عليهما كان للشمس وحدها، وقد يصل إلى سبع مرار، منها اثنان أو ثلاثة للقمر، واربعة أو خمسة للشمس، وأما المتأخرون فصاروا يحسبون لذلك حسابا دقيقا جدا، حتى يمكن معرفة ما يحدث منها في المستقبل وما حصل في الماضي، وكسوف القمر يرى في نصف الارض كله، وكسوف الشمس لا يرى إلا في جهات معينة، بل قد يمر بدون ان يرى، والكسوف الكلى - وهو الذى يغطى فيه القمر وجه الشمس كله - لا يرى إلا في أماكن ضيقة قد لا تزيد على ١٦٥ ميلا، ولا يزيد وقت بقائه على خمس دقائق أوست. (وهذه المعلومات اقتبستها من كتاب بسائط علم الفلك للدكتور صروف ص ٢٧ و ٣١ ومن دائرة المعارف الفرنسوية الكبرى ج ١٥ ص ٣٥٦ ومن دائرة معارف لاروس ج ٤ ص ٣٤ وتفضل بترجمتهما صديقى الاستاذ احمد بك وجدى المحامي بالزقازيق) فإذا علمنا هذا تبين لنا ان قول المؤلف: (بين كل كسوفين خمسة اشهر قمرية) قول قريب من الحقيقة، ويظهر لى انه كان ذا اطلاع على بعض علم الهيئة والفلك، وقد مدح هو ذلك في الملل والنحل (ج ٥ ص ٣٧) وقال: ان العلم بهذا (ينتج منه معرفة رؤية الاهلة لفرض الصوم والفطر ومعرفة الكسوفين). ولقد حاولت كثيرا ان اجد من العلماء بالفلك من يظهر لنا بالحساب الدقيق عدد الكسوفات التى حصلت في مدة اقامة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وتكون رؤيتها بها ممكنة، وطلبت ذلك من بعضهم مرارا -: فلم أوفق إلى ذلك، إلا انى وجدت للمرحوم محمود باشا الفلكي جزءا صغيرا سماه (نتائج الافهام في تقويم العرب قبل الاسلام) ألفه باللغة الفرنسوية وترجمه إلى العربية الاستاذ العلامة احمد ذكى باشا وطبع في بولاق سنة ١٣٠٥، وقد حقق فيه بالحساب الدقيق يوم الكسوف الذى حصل في السنة العاشرة وهو اليوم الذى مات فيه ابراهيم عليه السلام، ومنه اتضح ان الشمس كسفت في المدينة المنورة في يوم الاثنين ٢٩ شوال سنة ١٠ الموافق ليوم ٢٧ يناير سنة ٦٣٢ ميلادية في الساعة ٨ والدقيقة ٣٠ صباحا. وهو يرد اكثر الاقوال التى نقلت في تحديد يوم موت ابراهيم عليه السلام. وعسى ان يكون هذا البحث والتحقيق