المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٤٧
وموهوا في هذا بطوام، منها: أن قال قائلهم: إن عمر لم يأخذ الزكاة من ارض الخراج * قال أبو محمد: وهذا تمويه بارد! لان عمر رضى الله عنه إنما ضرب الخراج على اهل الكفر، ولا زكاة تؤخذ منهم، فان ادعى أن عمر لم يأخذ الزكاة ممن أسلم من أصحاب أرض الخراج فقد كذب جدا ولا يجد هذا أبدا، ومن ادعى ان عمر أسقط الزكاة عنهم كمن ادعى انه اسقط الصلاة عنهم ولا فرق * وموه بعضهم بأن ذكر ما قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: (منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشأم مديها [١] ودينارها، ومنعت مصر إرد بها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم) [٢] شهد على ذلك لحم أبى هريرة ودمه، قالوا: فأخبر عليه السلام بما يجب في هذه الارضين، ولم يخبر ان فيها زكاة، ولو كان فيها زكاة لاخبر بها * قال أبو محمد: مثل هذا ليس لا يراده وجه إلا ليحمد الله تعالى من سمعه على خلاصه من عظيم ما ابتلوا به من المجاهرة بالباطل ومعارضة الحق بأغث ما يكون من الكلام؟! وليت شعرى في أي معقول وجدوا أن كل شريعة لم تذكر في هذا الحديث فهى ساقطة؟ وهل يقول هذا من له نصيب من التمييز؟ وهل بين من أسقط الزكاة - لانها لم تذكر في هذا الخبر - فرق وبين من اسقط الصيام لانه لم يذكر في هذا الخبر، ومن اسقط الصلاة والحج لانهما لم يذكرا في هذا الخبر؟ * وحتى لو صح لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قصد بهذا الخبر ذكر ما يجب في هذه الارضين - ومعاذ الله من أن يصح هذا فهو الكذب البحت على رسول الله صلى الله عليه وسلم -: لما كان في ذلك اسقاط سائر حقوق الله تعالى عن أهلها، وليس في الدنيا حديث انتظم ذكر جميع الشرائع أولها عن آخرها، ونعم، ولا سورة أيضا * وإنما قصد عليه السلام في هذا الحديث الانذار بخلاء أيدى المفتتحين لهذه البلاد من أخذ طعامها ودراهمها ودنانيرها فقط، وقد ظهر ما أنذر من عليه السلام * ومن الباطل الممتنع أن يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زعموا، لانه لو كان ذلك، وكان ارباب اراضى [٣] الشأم، ومصر، والعراق مسلمين، فمن هم المخاطبون بأنهم يعودون كما
[١] بضم الميم واسكان الدال وبالياء كما سبق، وفى الاصلين (مدها) وهو تحريف
[٢] في النسخة رقم (١٦) (ابداتم) وهو خطا، والحديث رواه يحيى بن آدم في الخراج (رقم ٢٢٧) ومسلم (ج ٢ ص ٣٦٥) وأبو داود (ج ٣ ص ١٢٩) وابن الجارود (ص ٤٩٩)
[٣] في النسخة رقم (١٤) (ارض) بالافراد *