المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢٤
واحتج لمالك، والشافعي مقلدوهما بالخبر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق العلاء بن الحضرمي أنه عليه السلام قال: (يمكث المهاجر بعد انقضاء نسكه ثلاثا) قالوا: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم للمهاجرين الاقامة بمكة التى كانت أوطانهم فأخرجوا عنها في الله تعالى حتى يلقوا ربهم عزوجل غرباء عن أوطانهم لوجهه عزوجل ثم أباح لهم المقام بها ثلاثا بعد تمام النسك، قالوا: فكانت الثلاث خارجة عن الاقامة المكروهة لهم، وكان ما زاد عنها داخلا في الاقامة المكروهة * ما نعلم لهم حجة غير هذا أصلا * وهذا لاحجة لهم فيه، لانه ليس في هذا الخبر نص ولا إشارة إلى المدة التى إذا أقامها المسافر أتم، وانما هو في حكم المهاجر، فما الذى اوجب أن يقاس المسافر يقيم على المهاجر يقيم؟ هذا لو كان القياس حقا، وكيف وكله باطل؟ * وأيضا فان المسافر مباح له أن يقيم ثلاثا وأكثر من ثلاث، لاكراهية في شئ من ذلك وأما المهاجر فمكروه له أن يقيم بمكة بعد انقضاء نسكه أكثر من ثلاث، فاي نسبة بين اقامة مكروهة واقامة مباحة لو أنصفوا أنفسهم؟ * وأيضا: فان ما زاد على الثلاثة الايام للمهاجر داخل عندهم في حكم ان يكون مسافرا لامقيما، وما زاد على الثلاثة للمسافر فاقامة صحيحة، وهذا مانع من ان يقاس أحدهما على الآخر، ولو قيس أحدهما على الآخر لوجب ان يقصر المسافر فيما زاد على الثلاث، لا أن يتم، بخلاف قولهم * وأيضا: فان اقامة قدر صلاة واحدة زائدة على الثلاثة مكروهة، فينبغي عندهم - إذا قاسوا عليه المسافر - أن يتم ولو نوى زيادة صلاة على الثلاثة الايام، وهكذا قال أبوتور * فبطل قولهم على كل حال، وعربت الاقوال كلها عن حجة، فوجب ان نبين البرهان على صحة قولنا بعون الله تعالى وقوته * قال على: أما الاقامة في الجهاد والحج والعمرة فان الله تعالى لم يجعل القصر إلا مع الضرب في الارض ولم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم القصر إلا مع السفر، لامع الاقامة، وبالضرورة ندرى ان حال السفر غير حال الاقامة، وان السفر إنما هو التنقل في غير دار الاقامة وان الاقامة هي السكون وترك النقلة والتنقل في دار الاقامة، هذا حكم الشريعة والطبيعة معا *