المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ٢١٧
وقال بعض المخالفين: نعم هي مكية، إلا هذه الآية وحدها، فانها مدنية * قال أبو محمد: هذه دعوى بلا برهان على صحتها، وتخصيص بلا دليل، ثم لو صح لما كانت لهم في ذلك حجة، لان قائل هذا القول زعم انها انزلت في شأن ثابت بن قيس ابن الشماس رضى الله عنه، إذ جد ثمرته فتصدق منها حتى لم يبق له منها شئ [١]، فبطل ان يكون اريد بها الزكاة * والثانى: قوله تعالى فيها: (وآتوا حقه يوم حصاده) ولا خلاف بين أحد من الامة في ان الزكاة لا يجوز إيتاؤها يوم الحصاد، لكن في الزرع بعد الحصاد، والدرس والذرو، والكيل، وفى الثمار بعد اليبس والتصفية والكيل، فبطل ان يكون ذلك الحق المأمور به هو الزكاة التى لا تجب إلا بعد ما ذكرنا * والثالث: قوله تعالى في الآية نفسها: (ولا تسرفوا) ولا سرف في الزكاة، لانها محدودة، لا يحل أن ينقص منها حبة ولا تزاد أخرى [٢] * فان قيل: فما هذا الحق المفترض في الآية؟ * قلنا: نعم، هو حق غير الزكاة، وهو ان يطعى الحاصد حين الحصد ما طابت به نفسه ولابد، لاحد في ذلك، هذا ظاهر الآية، وهو قول طائفة من السلف * كما حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود ثنا أحمد بن دحيم ثنا ابراهيم بن حماد ثنا اسماعيل ابن اسحاق القاضى ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن اشعث - هو ابن عبد الملك - عن محمد بن سيرين وعن نافع عن ابن عمر في قوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده) قال: كانوا يعطون من اعتربهم [٣] شيئا سوى الصدقة * وبه إلى اسماعيل بن اسحاق قال: ثنا محمد بن ابى بكر - هو المقدمى - ثنا يحيى - هو ابن سعيد القطان - عن سفيان الثوري عن حماد بن ابى سليمان عن ابراهيم النخعي في
[١] هذا رواه الطبري في التفسير (ج ٨ ص ٤٥) عن ابن جريج مرسلا، وكذلك نسبه السيوطي في الدر المنثور (ج ٣ ص ٤٩) إليه والى ابن أبى حاتم، ولا حجة في مثل هذا
[٢] أي على انها من المفروض، وإلا فالتطوع بالزيادة لا خلاف في جوازه
[٣] يقال (اعتره واعتربه) إذا أتاه فطلب معروفه. وهذا الاثر رواه يحيى بن آدم في الخراج رقم (٤١٢) عن حفص وعبد الرحيم عن أشعث بهذا الاسناد. ورواه النحاس في الناسخ والمنسوخ (م ٢٨ - ج ٥ المحلى)