المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٨٦
فقيل لهم: لما كان اللبث بعرفة لا يقتضى وجوب الصوم وجب ان يكون الاعتكاف لا يقتضى وجوب الصوم * قال أبو محمد: من البرهان على صحة قولنا اعتكاف النبي صلى الله عليه ووسلم في رمضان، فلا يخلو صومه من ان يكون لرمضان خالصا - وكذلك هو - فحصل الاعتكاف مجردا عن صوم يكون من شرطه وإذا لم يحتج الاعتكاف إلى صوم ينوى به الاعتكاف فقد بطل ان يكون الصوم من شروط الاعتكاف وصح انه جائز بلا صوم، وهذا برهان ما قدروا على اعتراضه الابوساوس لا تعقل. ولو قالوا: إنه عليه السلام صام للاعتكاف لا لرمضان أو لرمضان والاعتكاف لم يبعدوا عن الانسلاخ من الاسلام * وايضا فان الاعتكاف هو بالليل كهو بالنهار، ولاصوم بالليل، فصح ان الاعتكاف لا يحتاج إلى صوم * فقال مهلكوهم ههنا: إنما كان الاعتكاف بالليل تبعا للنهار * فقلنا: كذبتم ولا فرق بين هذا القول وبين من قال: بل انما كان بالنهار تبعا لليل، وكلا القولين فاسد * فقالوا: إنما قلنا: انا الاعتكاف يقتضى [١] ان يكون في حال صوم * فقلنا: كذبتم لان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (انما الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى) فلما كان الاعتكاف عندنا وعندكم لا يقتضى ان يكون معه صوم ينوى به الاعتكاف -: صح ضرورة أن الاعتكاف ليس من شروطه ولا من صفاته ولا من حكم أن يكون معه صوم، وقد جاء نص صحيح بقولنا * كما روينا من طريق ابى داود: نا عثمان بن أبى شيبة نا ابؤ معاوية ويعلى بن عبيد كلاهما عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أم المؤمنين قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اراد ان يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه، قالت: وانه اراد مرة ان يعتكف في العشر الاواخر من رمضان، قالت: فأمر ببنائه فضرب فلما رأيت ذلك امرت بينائى فضرب، وأمر غيرى من ازواج النبي صلى الله عليه وسلم ببنائهن [٢] فضرب، فلما صلى الفجر نظر إلى الابنية، فقال: ما هذه؟ البر تردن؟ فأمر ببنائه فقوض،
[١] في النسخة رقم (١٦) (ان الاعتكاف انما يقتضى) الخ
[٢] في ابى داود (ج ٢ ص ٣٠٧ و ٣٠٨) نسختان (ببنائه) و (ببنائها) وما هنا أحسن *