المحلى بالآثار - ابن حزم - الصفحة ١٠٥
وأما اقتصارنا على ما وصفنا في صلاة كسوف القمر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) فلا يجوز ان تكون صلاة إلا مثنى مثنى، إلا صلاة جاء نص جلى صحيح بأنها أقل من مثنى أو اكثر من مثنى، كما جاء في كسوف الشمس، فيوقف عند ذلك ولا تضرب الشرائع بعضها ببعض، بل كلها حق * وانما قلنا بصلاة الكسوف القمرى والآيات في جماعة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد بسبع وعشرين) ويصليها النساء، والمنفرد، والمسافرون كما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق * (سجود القرآن) في القرآن أربع عشرة سجدة، أولها في آخر ختمه سورة الاعراف، ثم في الرعد، ثم في النحل، ثم في سبحان، ثم في كهيعص، ثم في الحج في الاولى وليس قرب آخرها سجدة، ثم في الفرقان، ثم في النمل، ثم في آلم تنزيل، ثم في ص، ثم في حم فصلت، ثم في حافزا لبعض النبهاء من العالمين بالفلك إلى حساب الكسوفات التى حصلت بالمدينة في السنين العشر الاولى من الهجرة النبوية أي إلى وقت وفاته صلى الله عليه وسلم في يوم الاحد ١٢ ربيع الاول سنة ١١ أو الاثنين ١٣ منه الموافقان ليومى ٧ يونيه سنة ٦٣٢ و ٨ منه، فإذا عرف بالحساب عدد الكسوفات في هذه المدة أمكن التحقيق من صحة احد المسلكين: إما حمل الروايات على تعدد الوقائع وإما ترجيح الرواية التى فيها ركوعان في كل ركعة وأنا اميل جدا إلى الظن بأن صلاة الكسوف لم تكن إلا مرة واحدة، فقد علمنا من رسالة محمود باشا الفلكي انه حصل خسوف للقمر في المدينة في يوم الاربعاء ١٤ جمادى الثانية من السنة الرابعة للهجرة الموافق ٢٠ نوفمبر سنة ٦٢٥ ولم يرد ما يدل على ان النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس فيه لصلاة الخسوف ويؤيد هذا ان الاحاديث الواردة في صلاة الكسوف دالة بسياقها على ان هذه الصلاة كانت لاول مرة، وان الصحابة لم يكونوا يعلمون ماذا يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقتها، وانهم ظنوا انها كسفت لموت ابراهيم، وان المدة بين موت ابراهيم عليه السلام وبين موت ابيه صلى الله عليه وسلم لن تزد على اربعة اشهر ونصف، فلو كان الكسوف حصل مرة أخرى وقاموا للصلاة لظهر ذلك واضحا في النقل لتوافر الدواعى إلى نقله كما نقلوا ما قبله بأسانيد كثيرة، والله أعلم بالصواب * (م ١٤ - ج ٥ المحلى)