موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٥٤ - سليمان الحكيم
تولى الحكم في القدس، كانت تدور في الفلك المصري العملاق. و كل فرعون كان يعين نائبا له يختاره قطعا من العنصر المحلي. و الرومان قد حذوا حذو الفراعنة، فان هيرود مثلا كان من عنصر آخر، كان أيدوميا على حد تعبير العهد الجديد. و هذا العنصر قد قاسى ما قاسى من كره اليهود له.
. و كان فرعون يعين في محميته «نائب الملك» ممن ليسوا من أهل المنطقة، ثم يزوجه امرأة من الطبقة الأرستقراطية المصرية. و امتد هذا الاجراء حتى شمل الهاربين و الخونة و المرتدين السياسيين و كذلك الرهائن، و كانوا ينشئونهم على الطريقة المصرية و يزوجونهم بالطريقة نفسها. و بهذا الخصوص أقول ان أفضل مثل يضرب دون نزاع هو مثل سليمان.. ففي عهده دخلت سطوة مصر العسكرية في دور الاضمحلال، كما هي حالة سطوة بابل. اما الكوكب الذي توسط كبد السماء فهو الكوكب الآشوري. فتحولت «نيابات الملك» التابعة من يد الى أخرى، تحولت في فينيقية كما تحولت في فلسطين.
و أرجح كون سليمان ساميّا، كما كانوا ساميين أولئك الآشوريون المنحدرون من جبال زاغروس، و من صياصي القفقاس و معهم شطر من الأكراد.. كل هؤلاء هبطوا الى ما بين النهرين ليخضعوها بعد أن دب في أوصالها الانحلال.. و قد تمثلوا لغتها و ثقافتها. و الثقافات المسماة ساميّة نابعة من الجزيرة العربية القديمة الممعنة في الحضارة.. و سليمان من معدنهم، فهو نصف عربي (و هذه حصته البابلية) ، و هو نصف كردي. و هذا يفسر لنا الصداقة التي تربط سليمان بالملوك الفينيقيين الذين ساعدوه في بناء هيكله الذائع الصيت في القدس. و يفسر لنا كذلك الحب الذي ستكرسه ملكة سبأ العربية للحكيم سليمان. و لو كان يهوديا لاستحالت هذه الصداقة و لاستحال هذا الحب الى كراهية و بغضاء، لأن اليهود و هم أمشاج مختلطة كانوا منبوذين في العالم العربي. و لكن هذا السامي الكردي مرتبط روحيا بمصر اذا لم يكن هذا الارتباط سياسيا، و قد تزوج بامرأة مصرية من طبقة روحية عليا تدين بديانة الآلهة هاتور و تتكتم في ديانتها هذه، و هاتور آلهة سماوية ذات وجه أسود.