موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ١٣٤ - القدس و الحروب الصليبية
انطاكية وصلوا قمة المضيق الجبلي الذي يفصل بيت المقدس عن البحر و عسكروا فيه لقضاء ليلتهم.. و في صبيحة اليوم التالي تسلقوا جبل المشارف في برد قارس قبيل الفجر، و عند بزوغ الشمس بدى أمام أعينهم بيت المقدس.
و ملأهم المنظر بمزيج من الفرح و الرعب، فقد كانوا يتوقعون رؤية أرض الميعاد و هي تفيض لبنا و عسلا و تختلف عن الجبل الأجرد الذي تسلّقوه الآن، الا أن المنظر الممتد أمامهم لم يكن سوى واد مغبر أكسبته شمس الصيف لونا بنيا. و كانت بيت المقدس أمنع قلاع العالم القديم، و هي قائمة على جبل تتوج أسوارها قطوع جانبية عميقة لثلاثة وديان صخرية. و منذ ألفي عام بذل حكامها جهدهم واحدا بعد آخر لجعل القلعة لا تقتحم. و عند ما اقترب النصارى من المدينة طغى عليهم عزم جنوني بأن لا شيء يحول بينهم و بين الاستيلاء عليها، و وجدوا ان المسلمين قد ردموا الآبار ضمن أميال متعددة في كل اتجاه. فمكث الصليبيون حيث هم متمونين بالمياه التي كانت تجلب لهم مع الخمور على ظهور البغال من نهر الأردن البعيد و تصل متعفنة فاسدة الطعم. و مع هذا كانت تسد حاجتهم، و تحمل الصليبيون ذلك مدة ثلاثين يوما، و في نهاية الشهر شقوا طريقهم عنوة الى داخل المدينة. و عند حلول الظلام في يوم ظفرهم انقلبت حالتهم الروحية من حماس جارف الى جنون إجرامي فاندفعوا طوال الليل يبحثون في المدينة ذابحين كل رجل و امرأة أو طفل تقع أعينهم عليه. و قد لجأ كثير من يهود المدينة الى كنيسهم الكبير فلم ينجهم ذلك، فقد أحرقه الصليبيون بمن فيه، اما من حاول منهم النجاة من اللهب فقد قتلوه. و قبيل الصبح توجه الصليبيّون نحو المسجد الأقصى حيث تقوم الصخرة، و كانوا قد سجنوا المسلمين هناك بعد استسلامهم و إلقاء اسلحتهم. فقتلهم الصليبيون عن بكرة أبيهم في داخل المسجد. و عند طلوع الضياء كانت مدينة بيت المقدس تغرق بالدماء، و في شوارعها و مساجدها أكثر من اثني عشر ألف قتيل. و قد خلفت هذه المجزرة مرارة استمرت قرنا و نصف قرن.