موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٦٧ - حياة السبي
حياة السبي
تدل التنقيبات الأثرية، و اللقى التي عثر عليها في بابل و غيرها، على أن حياة اليهود في المنفى لم تكن حياة سيئة كما تذكر بعض المراجع. فقد كانت عيشتهم فيها عيشة مرفهة، اكتسبوا فيها ثقافة عامة هيئوا أنفسهم بواسطتها لمقاومة الفناء و الاحتفاظ بخصائصهم المعروفة. إذ يذكر كيلر (الص ٢٨٣- ٢٩٠) بعد ان يصف بابل و عظمتها، و يشير الى أنها لم تكن مركزا تجاريا فقط بل مركزا دينيا عظيما أيضا، و الى أنها كانت أعظم من طيبة، و ممفيس و أور، و حتى أعظم من نينوى، بان يهود السبي الآتين من فلسطين و حتى من أورشليم المتغطرسة كانوا أناسا ضيقي الأفق محدودي التفكير، و لم يكونوا يعرفون سوى الطرق الضيقة و الأزقة المظلمة.
و يشير كذلك الى ان يهود المنفى أخذوا بوصية جرميا التي بعثها من أورشليم الى كبارهم و أنبيائهم و حاخاميهم و قد نجحوا نجاحا باهرا، ثم عاشوا عيشة مثمرة في ظل السلم الذي توخّوه. فقد كتب لهم جرميا (سفر جرميا) يوصيهم ببناء منازل و السكنى فيها، و زرع البساتين و الحقول و أكل حاصلاتها حتى يتكاثروا و لا يقل عددهم. و طلب اليهم أن ينشدوا السلم في المدينة التي أخذوا سبايا اليها. و بذلك كانت حالتهم أحسن من حالة أجدادهم الذين وجدوا في مصر على عهد النبي موسى، و لا تقارن بها.
و من طريف ما يذكره المستر كيلر في هذا الشأن، مما عثر عليه المنقبون الأمريكان في نفّر، ان أسرة يهودية من أسر السبي كانت قد أسست شركة خاصة لها و فتحت محلا تجاريا مقره في نفّر و فروعه في كل مكان. و كانت هذه الشركة المسماة بشركة «موراشو و أولاده» تدير مصرفا دوليا، و تتعاطى أعمال التأمين و نقل الملكية و القروض و المتاجرة بالأراضي الزراعية و غير الزراعية و ما أشبه، حتى أصبحت ذات سمعة كبيرة وصيت ذائع. و قد استمرت في أعمالها خلال مدة تقارب ماية و خمسين سنة، و بقيت الى أيام الفرس الذين