موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ١٠٠ - استيلاء العرب على بيت المقدس
ابا عبيدة سرعان ما بيّن له ان هذا كان من عادة أهم البلاد في مناسبات مثل هذه، و أنهم اذا منعوا من القيام به سوف يعتقدون ان عمر ما زال على موقفه المعادي منهم. و بمثل هذه الحجج أقنع الخليفة بصعوبة على التغاضي عن هذا العبث التافه [١] . لكن غضبه على القادة العرب كان أشد من هذا. فقد ركب ابو عبيدة و يزيد بن ابي سفيان و خالد الى الجنوب لاستقباله و هم يلبسون ملابس مقصبة ثمينة، و يمتطون خيولا مرخّتة بالعدد الغالية. فقال لهم و هو مغضب، على ما يروى، أتأتون الي و أنتم ترفلون بمثل هذه الملابس، هل تغيرتم الى هذا الحد خلال سنتين؟إنكم جميعا تستحقون العزل بالخزي و العار. فأجاب القادة و هم مرتبكون، على ما يذكر الرواة: ان التبدل الذي تراه يا أمير المؤمنين هو تبدل في الظاهر فقط و كشفوا عما تحت الملابس الخارجية ليروه دروعهم المزرده من تحتها. لكن الخليفة الذي كان يلبس رداء مرقعا لم يهدأ غضبه الا بصعوبة. و قد برهن المستقبل على ان مخاوفه كانت في محلها.
و كان ينتظر عمر بن الخطاب في القاعدة العسكرية في الجابية وفد مرسل من البطريرك صفرونيوس، فوضعت شروط الاستسلام في الحال. ثم ركب الخليفة الى الجنوب عبر وادي الأردن، في الطريق العام القديم الذي يمر ببيسان و يقطع جبال السامريين الباسمة، المغطاة بحقول القمح و الكروم و بساتين الزيتون، الى ان وصل الى المدينة المقدسة حيث استقبله فيها البطريرك حامي الكنيسة ذي اللسان المعسول. لكن صفرونيوس اذا كان لسانه قد نطق بكلمات مجاملة رقيقة، فقد كان قلبه أبعد ما يكون عن الاخلاص. و حينما كان الخليفة البدوي الحافي يمشي بملابسه الرثة حول كنيسة القيامة همس البطريرك باليونانية في أذن أحد أتباعه يقول «هذه هي بالتأكيد فظاعة الدمار الذي تكلم عنه النبي دانيال و هو يقف في البقعة المقدسة [٢] » .
[١] جاء في فتوح البلدان في رواية عن عبد اللّه بن قيس، قال كنت في من تلقى عمر مع ابي عبيدة مقدمة الشام، فبينما عمر يسير إذ لقيه المقلسون من أهل أذرعات بالسيوف و الريحان.
فقال عمر: مه، امنعوهم. فقال أبو عبيدة يا أمير المؤمنين هذه سنتهم، أو كلمة تحوها، و انك ان منعتهم منها يروا ان في نفسك نقضا لعهدهم، فقال عمر دعوهم.
[٢] يذكر الطبري ان اللد و الرملة استسلمتا في نفس الوقت الذي استسلمت فيه القدس.