موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٢٥ - منطقة سامرا على عهد الساسانيين
و كانوا في أثناء هربهم يرشقون بسهام إلى ورائهم لكي يمنعوا الروم من أن يتعقبوهم. و بعد هذه الوقعة استراح الجيش الرومي ثلاثة أيام، و في أثناء هذه الفترة ارتاع الانبراطور يوليانس من خوارق سماوية نارية و شهب هاوية راجمة، فقوّض خيام جيشه باليوم الرابع للرحيل، و واصل سيره محترزا الاحتراز المألوف. فلم يلبث أن أنبيء بأنّ ساقة الجيش قد هجم عليها الفرس فأخذ ترسا و أسرع إلى الجانب المهدّد من الجيش و لم يلبس درعا، و في ذلك الوقت أيضا هجمت على قلب جيشه فرقة من الفرس «الفرثيين» مسلحة بكل سلاح، و في وسط هذه الملحمة أصابته ضربة مزراق نفذت الى كبده من خلال الضلوع فانتزعه مى كبده بعد أن انقطعت أوتار أصابعه لعسر انتزاعها عليه، فحمل [١] مرتثّا إلى المخيّم و فيه ضمّدوا جرحه، و لما شعر بتناقص الألم امتطى هذا الأنبراطور المقدام فرسا و لكن خور قوّته خان شجاعته، فانتقض جرحه، و نزفه دم كثير، فحمل ثانية إلى المعسكر و هناك أسلم روحه بعد أن نطق بهذه الأقوال البديعة:
«أنا غير نادم على شيء، و لا آسف على شيء أتيته سواء في ذلك زمن نفيي و زمن أخذي بزمام الحكم في الانبراطورية، فأنا تسلمتها من الخالدين وديعة و افتخر بأني حافظت عليها نقيّة، و ذلك بالحكم فيها باعتدال بحيث لم آت أو لم أؤيد الحرب قط الا بعد اختبار نضيج، فان كانت الغلبة أو الفائدة التي كنت آملها لم تناسب ما كنت انتظره فان الحوادث من صنع الآلهة، و إيماني بأن الحكومة العادلة ليست لها غاية سوى منفعة شعبها و سعادته، كنت و أنتم تعلمون ذلك، كثير الميل إلى السّلام. و قد نزهت سيرتي عن الاباحة الخلقية المخربة و الاباحة المبيدة في الأشياء، إن الجمهورية التي عددتها دائما أمّا حاكمة عرّضتني للخطر في كل ناحية من نواحيها، فصمدت [٢] إليه بسرور
[١] أي حمل جريحا و به رمق.
[٢] صمد الى الشيء: قصد اليه و انتحاه و استعماله بمعنى «ثبت» غلط قبيح.