مسند الإمام الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٣٠٠ - باب الحكم و السنن و النوادر
فلمّا آب من عنده توجّه نحو سدّة معاوية ليلا و كان غير محجوب عنه و لا محبوس دونه، فعلم معاوية أنه ما جاء به إلا خبر أراد إعلامه به. فقال له معاوية: ما وراءك؟ و ما جاء بك؟ فقال: أصلح اللّه أمير المؤمنين كنت عند يزيد ابنك فقال فيما استجرّ من الكلام كذا و كذا، فوثب معاوية و قال:
و يحك ما أضعنا منه رحمة له، و كراهية لما شجاه و خالف هواه؟ و كان معاوية لا يعدل بما يرضيه شيئا. فقال علىّ به، و كان معاوية إذا أتت الأمور المشكلة المعضلة، بعث إلى يزيد يستعين به على استيضاح شبهاتها و استسهال معضلاتها، فلما جاءه الرّسول قال: أجب أمير المؤمنين، فحسب يزيد أنّما دعاه إلى تلك الأمور الّتي يفزع إليه منها، و يستعين برأيه عليها، فأقبل حتّى دخل عليه، فسلّم ثم جلس.
فقال معاوية يا يزيد ما الذي أضعنا من أمرك، و تركنا من الحيطة عليك، و حسن النظر لك، حيث قلت ما قلت؟ و قد تعرف رحمتى بك، و نظرى فى الأشياء التي تصلحك، قبل أن تخطر على و همك فكنت أظنك على تلك النعماء شاكرا، فاصبحت بها كافرا، إذ فرط من قولك ما ألزمتنى فيه إضاعتى إياك، و أوجبت علىّ منه التقصير، لم يزجرك عن ذلك تخوّف سخطى، و لم يحجزك دون ذكره سالف نعمتى، و لم يردعك عنه حق أبوّتى، فأىّ ولد أعق منك و أكيد، و قد علمت أنى تخطأت الناس كلهم فى تقديمك، و نزلتهم لتوليتى إياك، و نصبتك إماما على أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و فيهم من عرفت، و حاولت منهم ما علمت؟
قال: فتكلّم يزيد، و قد خنقه من شدة الحياء الشرق، و أخضله من أليم الوجد العرق، قال: لا تلزمنى كفر نعمتك، و لا تنزل بى عقابك، و قد عرفت نعمة مواصلتك ببرّك، و خطوى إلى كلّ ما يسرّك، فى سرّى و جهرى، فليسكن سخطك، فإن الذي أرثى له من أعباء حمله و ثقله، أكثر مما أرثنى لنفسى، من أليم ما بها و شدته، و سوف أنبئك و أعلمك أمرى، كنت قد عرفت من أمير المؤمنين